قبل سنوات، تقدَّم شابٌّ عربيٌّ لوظيفة مدير تسويق في مكتب للعلاقات العامَّة بجدَّة. بدأ بعرض سريع لسيرته، ثمَّ انطلق في تحليل (السوق السعوديِّ والعربيِّ والدوليِّ)، مستخدمًا مزيجًا من المصطلحات الإنجليزيَّة والعربيَّة، بعضها غريب حتَّى على المتخصِّصِينَ. وخلال حديثه اضطررتُ للاستفهام عن معاني بعض العبارات، فظهر عليه الارتباك والتردُّد. وبعد خروجه، تساءلت مديرة المكتب عن سبب طرحي لمثل هذه الأسئلة، رغم خبرتي الأكاديميَّة والإعلاميَّة. أوضحتُ لها أنَّ الاعتراف بعدم المعرفة جزءٌ من المنهج المهنيِّ، وأنَّ ما لاحظتُه لم يكن استخدامًا طبيعيًّا للمصطلحات، بل مبالغة مقصودة لإبهار الحاضرِينَ، وإخفاء نقص الخبرة. وفي اللقاء اللاحق، تبيَّن أنَّه كان يعمل طبَّاخًا في أحد فنادق العواصم العربيَّة، وأنَّ معرفته التسويقيَّة لا تتجاوز ما التقطه من حديث زملائه.
هذه الحالة باتت تعبِّر عن ظاهرة أوسع. فجيلٌ كاملٌ اليوم يخلط العربيَّة بالإنجليزيَّة بصورة لا تضيف معنى، بقدر ما تُستخدم لإيحاء بالحداثة أو التميُّز. في المحادثات اليوميَّة، ووسائل التَّواصل، والإعلانات، وحتَّى في الخطاب المؤسسيِّ، أصبحت الجمل العربيَّة مشحونةً بكلمات مثل (ماركتينغ)، و(كستومر)، و(سيرش)، و(أون لاين)، و(سوشيال ميديا)، وكأنَّ اللُّغة العربيَّة قاصرةٌ عن أداء دورها. وتجاوز الأمر الأفراد إلى الشركات، والمقاهي، والمحال التجاريَّة التي تتسابق على أسماء هجينة: (بوليفارد العرب)، (العرب مول)، (مارينا العروبة)، (أوفر دوز كافيه)، (شاورماز ديليشوس)، وغيرها. الفكرة بسيطة: الاسم الأجنبيُّ يمنحُ انطباعًا بالفخامة، ويرفع الأسعار أضعافًا. فخبز (التميس) الذي يُباع بريال واحد، يُصبح بخمسة أو عشرة، عندما يُقدَّم تحت اسمٍ أجنبيٍّ مُنمَّقٍ مع وصف تسويقيٍّ مبالغ فيه.
هذه الظاهرة ليست وليدة اليوم، بل لها جذور في ما أشار إليه ابن خلدون، من ميل الأمم المقهورة إلى تقليد المتغلِّب في لغته وثقافته. إلَّا أنَّ التحوُّل اللَّافت هو انتقالها من سلوك فرديٍّ إلى منظومة تشمل الإعلام، وبعض المؤسَّسات الرسميَّة والقطاع الخاص، التي لم تسعَ إلى تصحيح المسار، بل ساهمت -بقصد أو بغير قصد- في شرعنة لغة هجينة سمَّيتُها (أراب تيز). وما زاد الأمرُ تعقيدًا أنَّ التعليم والإعلام والثقافة لم يواجهوا الظَّاهرة بمبادرات فاعلة، فضعفت العلاقة بين الجيل الجديد ولغته وهويَّته.
ورغم أنَّ العالم كله يتأثر بالإنجليزيَّة، وثقافة الإعلام الأمريكيِّ، فإنَّ دولًا مثل فرنسا واجهت هذا المد عبر تشريعات ومؤسَّسات ثقافيَّة وسياسات تعليميَّة متماسكة. وفي المقابل، لم تقدِّم المؤسَّسات العربيَّة مبادرات كافية لحماية اللغة، رغم الاحتفاء السنويِّ باليوم العالميِّ للعربيَّة، ورغم مكانتها كلُغة رسميَّة في الأمم المتحدة. لا نرى مشروعات شاملة لتحديث المعاجم، ولا إستراتيجيَّات تعليميَّة تعزِّز اللُّغة في المدارس والجامعات، ولا توجُّهًا إلزاميًّا يحصر لغة التخاطب الإداريِّ والإعلاميِّ بالعربيَّة. والأهم: أين الأُسرة من كلِّ هذا؟ وكيف نتركُ جيلًا كاملًا لا يُحسِن القراءةَ والكتابةَ والتَّعبيرَ؟
المفارقة أنَّ دول المغرب العربيِّ، بعد عقود من الهيمنة الفرنسيَّة، تعود إلى لُغتها العربيَّة بقوَّة، بينما يبتعدُ المشرقُ عنها طوعًا. وفي الوقت الذي يفتخر فيه الفرسُ والرومُ بلغاتِهم وثقافاتِهم، ويدافعُونَ عنها في مواجهة العولمة الفكريَّة، يتساهل بعضُ العرب في التَّفريط بلغتهم لحساب عبارات مستوردة، لا تضيفُ قيمةً بقدر ما تنتزعُ جزءًا من الهويَّة. هذه ليست قضيَّة لغويَّة فحسب، بل مسألة انتماء وذاكرة وجذور. والأجيالُ تكبرُ وتتولَّى مسؤوليَّاتها في مؤسَّسات الدَّولة والمجتمع، فإنْ لم تُصنْ لُغتها اليوم، ستقود غدًا بلا هويَّة راسخة، ولا ارتباط حقيقيٍّ بتاريخها وثقافتها.
@kbatarfi


