Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

الشعر.. دعاية إعلامية

A A
كان الشعراءُ في الماضي يمدحُونَ ويذمُّونَ بمقابلٍ ماديٍّ أو معنويٍّ، حيث كان الشاعر يسعى للحصول على المكافأة الماليَّة، والهدايا من الممدوح؛ لكسب رضاه، بالإضافة إلى تطلُّعه لكسب المناصب، والتقدير الاجتماعيِّ، أو كسب ودِّ القبيلة، أو السلطان.

ومن أمثلة ذلك، عندما انتهى جرير بن عطية التميمي -أشهر شعراء عصره في فنِّ الهجاء- من نظم قصيدته الشَّهيرة «الدَّامغة»، في الراعي النميري، التي قال فيها:

فَغُضَّ الطَّرْفَ إِنَّكَ مِن نُمِيرٍ

فَلَا كَعْبًا بَلَغْتَ وَلَا كِلَابًا

قال جرير لغلامه بعدها: أطفئ المصباح، فوالله قد أطفأتُ ذكرهم مدى الدَّهر. وقبيلة «نمير» هي جمرة من جمرات العرب الأربع، وهي قبائل عربيَّة قويَّة، كانت تقاتل بمفردها دون التحالف مع قبائل أُخْرى، وهي بنو ضبة بن أد، وبنو عبس بن بغيض، وبنو الحارث بن كعب، وبنو نمير بن عامر، ولكن بسبب «دامغة» جرير، سقط اسم القبيلة، وأخذُوا اسم عامر بن صعصعة.

وفي المقابل بيت من الشعر، كان بمثابة دعاية إعلامية متفردة؛ لرفع مكانة بني أنف الناقة بين العرب، ومحو سبب مذلَّتهم، فقد كان بنو حنظلة بن قريع بن عوف بن كعب يُقال لهم بنو أنف الناقة، وإذا سئُل الرجلُ منهم عن نسبهِ فيُخفيهِ؛ حرجًا، ولا ينتسب إلى قومه أنف الناقة، وكانُوا يغضبُونَ إذا قال لهم أحدٌ (أنف الناقة)، غير أنَّ الأمر أصبح مفخرةً لهم بعد قول الحطيئة هذا البيت:

قَوْمٌ هُمُ الأُنْفُ وَالأَذْنَابُ غَيرُهُم

وَمَن يُسَاوِي بِأَنْفِ النَّاقَةِ الذَّنَبَ؟

وأختمُ بقصَّة غضب الشَّاعر الفرزدق من زوجته نوار، فطلَّقها، ثمَّ ندم على طلاقها بعد ذلك، وقد صارت عليه حرامًا، فقال في ذلك:

نَدِمْتُ نَدَامَةَ الكَسْعِّيِّ لَمَّا

غَدَتْ مِنِّي مُطلَّقة نَوارُ

وَكَانَتْ جَنَّتِي فَخَرَجْتُ مِنْهَا

كَآدمَ حِينَ لَجَّ بِهَا الضِّرَارُ

والكسعيُّ رجلٌ يُضرَب به المثلُ في النَّدامةِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store