Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

حدث عابر.. وقصة خالدة

A A
في إحدى المناسبات الخاصَّة، لفت انتباهي مشهد إنسانيٌّ عابرٌ في ظاهره، عميقٌ في أثره. كان هناك رجلٌ يتحرَّك بثقلٍ واضحٍ، يواجه صعوبة في الجلوس والوقوف، وإلى جواره ابنه الذي لم يتجاوز الرابعة عشرة. لم يكن في المكان مَن يشاركه العمر، ومع ذلك لم يشعر بالغُربة؛ لأنَّ قلبه كان مشغولًا بمهمَّة أكبر من السنوات التي يحملها.

الابن كان صامتًا، عيناه لا تفارقان والده. كلَّما همَّ الأبُ بالوقوف أو التحرُّك، كان الابن يسبقه بخطوة، ينطلق نحوه بعفويَّة خالية من التردُّد، كأنَّ بينهما اتفاقًا غير منطوق، أو لغة صامتة لا تحتاج إلى شرح. لم يكن تصرُّفه طلبًا للانتباه، ولا سعيًا لإثبات شيءٍ أمام الآخرِينَ، إنَّما فعل نابع من إحساس صادق بالمسؤوليَّة والرَّحمة.

كنتُ أراقبُ هذا المشهد من بعيد، وأدعُو لهذا الابن دون أنْ يعرفني. أدعُو له بالحفظ والتوفيق، وأنْ يجزيه اللهُ عن هذا البِّر أضعافَ ما يقدِّم. في تلك اللَّحظات، شعرتُ أنَّ القيمَ الحقيقيَّةَ لا تُلقَّن، ولا تُفرَض، إنَّما تُرَى حيَّةً في مواقف كهذه، وتُغرَس في النفوس بالممارسة قبل الكلام.

عند انتهاء المناسبة، وحين همَّ الجميعُ بالمغادرة، اكتمل المشهدُ في صورة لا تُنسَى. جلسَ الابنُ عند قدمَي والدهِ، وانحنَى بهدوءٍ، وأخذ يُلبسه الحذاءَ بعناية واحترام. لم يكن في الحركة أيُّ ضيقٍ أو تبرُّمٍ، كان هناك طمأنينة ورضا، وكأنَّ هذا الفعلَ شرفٌ قبلَ أنْ يكونَ واجبًا. في تلك اللَّحظة، خرجتُ والدموعُ تسبقنِي، أبكِي دون حرجٍ، وأدعُو للأبِ والابنِ معًا.

عرفتُ لاحقًا أنَّ هذا الأب هو الأديبُ والإعلاميُّ الشَّاعرُ زيد بن علي الحسناء المري، وأنَّ الابنَ هو علي. معرفة الاسم أضافت للمشهدِ بُعدًا آخرَ، غير أنَّ التَّأثير الحقيقيَّ كان في المعنى الإنسانيِّ الخالص، في صورة البِّر حين يتجسَّد فعلًا، وفي الرَّحمة حين تتقدَّم على كلِّ اعتبار.

عشتُ حياتي محبًّا لكلِّ فعلٍ إنسانيٍّ، ومتوقفًا طويلًا عند هذه المواقف، التي تعيد ترتيب القلب، وتُوقظ الضَّمير، وتذكِّرنا أنَّ أعظمَ الدُّروس تأتي أحيانًا في صمتٍ. هذا المشهد درسٌ لطيفٌ، جميلٌ، ومهمٌّ، يدعونا أنْ نرفع أيدينا بالدُّعاء لكلِّ إنسان يحنُّ، ويعطفُ، ويقفُ مع أهله، ويجعلُ الإنسانيَّة أسلوبَ حياةٍ راسخًا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store