Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

روعة لطائف المعنى.. في السرد الأدبي السعودي

A A
‏حبُّ الكُتب والشَّغف في اقتنائها، ليس ترفًا ثقافيًّا، بل هو من الرقيِّ والسموِّ النفسيِّ، والالتزام الدينيِّ، ويكفينا أنَّ أوَّل آيةٍ نزلت في القرآن الكريم آية (اقرأ)؛ للدلالة على أهميَّة القراءة، كأساس في بناء الحضارة الإنسانيَّة.

‏مؤخَّرًا وقعت عيناي على كتاب، أُهدِي إليَّ بعنوان (لطائف المعنى.. دراسات في السَّرد الأدبيِّ السعوديِّ) للمؤلِّفة القديرة الأستاذة/ نادية عبدالوهاب خوندنة.. وقد وجدتُه سِفرًا شيِّقًا، ونقدًا أدبيًّا راقيًا؛ فمن العنوان، والذي ربما استقت الكاتبة (كلمة لطائف)؛ لتدل على الدوافع أو المعاني الخفيَّة والعميقة التي قد لا تكون واضحة للقارئ العاديِّ في الأدب، وتحديدًا في أدب الرِّواية؛ لتعمل على التَّحليل العلميِّ.. حيث الرجوع إلى كثير من الدِّراسات العلميَّة النقديَّة، والتَّحليل للعمق الإنسانيِّ والاجتماعيِّ والسياسيِّ في كثير من الروايات التي تناولتها.

‏احتوى المؤلَّف على ستة فصول، أوَّلها تناول الإرهاب، ومقارنة ومقاربة بين روايتي (الإرهابيِّ 20) لعبدالله ثابت 2006، وبنت الجبل لصلاح القرشي 2007، حيث استخدمت التَّقنية السرديَّة للشخصيَّة والأحداث التي مرَّت بها، وكأنَّها تشخيصٌ لسِير ذاتيَّة لأبطالها.

وتناقش الرُّوايتان مشكلات الشَّباب في السبعينيَّات الميلاديَّة، والخروج عن الوسطيَّة والاعتدال إلى التورُّط في براثن التشدُّد والجماعات الإرهابيَّة.. وقد كان هدف الباحثة، تحديد القواسم المشتركة في الخصائص الفنيَّة لهذه الأعمال الأدبيَّة، من حيث الشكل والمضمون في الجنس الأدبيِّ، ولغة السَّرد ونبراته، وحضور المكان.. وقد نجحت في ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ.

تناولت الكاتبةُ في الفصل الثَّاني روايتَي (سلمى) (والجنيَّة) لغازي القصيبي، والتي استخدمت فيها تقنية الواقعيَّة السحريَّة، باستخدام الواقع مع عالم الحلم والخيال، ففي رواية «سلمى» تبدو التخيُّلات وأحلام اليقظة والمنام لسيدة أنجزت إصدار موسوعة في التاريخ، وينتقل السَّرد بسلاسة بين الماضي والحاضر، والواقع والخيال؛ لنصرة المرأة، وجعلها في مناصب قياديَّة إداريَّة مختلفة، والتَّركيز على قدراتها العقليَّة وشخصيَّتها التي يمكن أنْ تحقِّق الكثير للأُمَّة العربيَّة. أمَّا رواية (الجنيَّة)، فبها الكثير من الفانتازيا، ووقوع الشاب السعوديِّ ضاري في غرام جنيَّة، وزواجه منها.. وذلك قائم على أساطير وموروثات شعبيَّة؛ حيث تؤكِّد الباحثةُ أنَّها قراءة نفسيَّة لذهنيَّة المجتمع العربيِّ بصفة عامَّة، والسعوديِّ بصفة خاصَّة.. ورافق ذلك؛ التَّحليل العلمي الأدبي الذي قامت به الباحثة من خلال الدراسات العلميَّة. وفي الفصل الثَّالث ترجمت بعض روايات القصيبي للأدب الغربيِّ، ومنها (شقة الحريَّة)، (وسبعة)، واستخدمت الباحثة المنهج التَّحليلي الوصفي، وأوضحت استخدام القصيبي لأسلوب الرمزيَّة، أو التلميح الرمزيِّ، كما استخدم التَّقنية السَّرديَّة وتيار الوعي، وكتابة القصَّة داخل القصَّة.. ففي رواية (سبعة) إنَّ كلَّ واحدٍ من الأشخاص السبعة يمثِّل الوطن العربي، ولكن بدون تصريح بأسمائهم. كما ألقت الأديبة خوندنة الضوء على قضايا اجتماعيَّة، أساسها المرأة والحريَّة.

وفي الفصل الرابع تناولت رواية (قاب قوسين) لمرام مكاوي، حيث استخدمت تقنية الواقعيَّة النفسيَّة، أو السيرة الذاتيَّة لبطل الرواية، والعقدة كانت عن التحوُّل الجنسيِّ الذي ربما يكون حاجة ضروريَّة مُلحَّة، ولكن عدم تقبُّل المجتمع السعوديِّ لها يجعلها من التابوهات التي يُمنع من التحدُّث عنها.

وفي الفصل الخامس نرى مقارنتها بين حكاية شهرزاد في (شارع الأعشى) لبدرية البشر، ورواية (شارع المحاكم) لأسماء الزرعوني، وهي عن أوضاع المرأة العربيَّة في حقبة زمنيَّة انتشر فيها التشدُّد، وسُلِبَت فيها حقوقها.. ومطالباتها بتلك الحقوق الاجتماعيَّة والإداريَّة، ويشترك في شيء من ذلك، الباب السادس في المجموعة القصصيَّة لعزيز ضياء (ماما زبيدة).. وكانت المرأةُ والحبُّ محورًا أساسًا في عقد الروايات للوصول إلى حلول لتلك القضايا.

إنَّ نجاح المؤلِّفة يعود إلى سعة اطِّلاعها واستخدامها أسلوب (نقد النقد) لبعض الأدباء.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store