Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.منى يوسف حمدان

الشباب وجودة التعليم.. مقاربة تشاركية لتحقيق التنمية المستدامة

A A
يشهد التعليم عالميًّا تحوُّلًا نوعيًّا في فلسفته وأدواره، مدفوعًا بتسارع التغيُّرات التكنولوجيَّة، والتحوُّلات الاقتصاديَّة والاجتماعيَّة، وتزايد التحدِّيات المرتبطة بالعدالة والإنصاف والاستدامة. وفي هذا السياق، يبرز إشراك الشباب في رسم سياسات التعليم، بوصفه أحد المحاور الحاسمة لبناء نظم تعليميَّة قادرة على الاستجابة لمتطلَّبات الحاضر واستشراف المستقبل. يشكِّل الشباب دون سن الثلاثين أكثر من نصف سكَّان العالم، وهم الفئة الأكثر ارتباطًا بمخرجات التعليم وتأثيراته بعيدة المدى. ورغم ذلك، لا يزال حضورهم محدودًا في عمليَّات صنع القرار التعليميِّ، الأمر الذي يخلق فجوةً بين السياسات المعتمدة واحتياجات المتعلِّمِين الفعليَّة. وتشير الاتجاهات الدوليَّة الحديثة، بما في ذلك توجهات منظمة اليونسكو، إلى أنَّ الانتقال من نماذج المشاركة الرمزيَّة إلى المشاركة التشاركيَّة الفاعلة يمثِّل شرطًا أساسًا لتحقيق جودة التعليم وعدالته واستدامته.

وتزداد أهميَّة هذا التوجه في ظلِّ الثورة الرقميَّة وصعود الذكاء الاصطناعيِّ، حيث لم يعد التحدِّي مقتصرًا على تحديث المناهج، أو إدماج التكنولوجيا، بل امتد ليشمل إعادة تعريف غايات التعليم، وتطوير آليات قياس المهارات والقدرات البشريَّة، وتعزيز المهارات الحياتيَّة، والتفكير النقدي، والتواصل الفعَّال.

وفي هذا الإطار، يؤدِّي مركز اليونسكو الإقليمي للجودة والتميُّز في التعليم دورًا محوريًّا في ترجمة التوجُّهات العالميَّة لليونسكو في ترجمة التوجُّهات العالميَّة لليونسكو إلى أطر تنفيذيَّة وسياسات عمليَّة على المستوى الإقليميِّ، ولا سيَّما فيما يتعلَّق بتمكين الشباب كشركاء فاعلين في رسم سياسات التعليم. وقد رسَّخ المركز موقعه كمنصَّة إقليميَّة تجمع بين البعد المعرفيِّ والسياساتيِّ والتشغيليِّ، من خلال تطوير أطر مرجعيَّة، وإنتاج تقارير تحليليَّة، وبناء أدوات عمليَّة تدعم الدول العربيَّة في تعزيز جودة التعليم وعدالته واستدامته.

وفي سياق الاحتفاء باليوم الدوليِّ للتعليم 2026، يتجاوز دور المركز حدود التنظيم أو الاحتفاء الرمزيِّ، ليقود مسارًا مؤسسيًّا يهدف إلى نقل صوت الشباب من فضاءات الحوار إلى دوائر التأثير وصنع القرار. ويتجلَّى ذلك في مبادرات نوعيَّة تشمل تطوير مؤشِّرات لقياس المشاركة الشبابيَّة في التعليم، وإطلاق مختبرات ابتكار تشاركيَّة، وإعداد موجزات سياسات، وخارطة طريق تنفيذيَّة لمشاركة الشباب في السياسات التعليميَّة، بما يعزِّز الحوكمة التشاركيَّة ويسهم في سد الفجوة بين السياسات التعليميَّة واحتياجات المستفيدِينَ الفعليِّينَ.

كما يرتبط إشراك الشباب في السياسات التعليميَّة ارتباطًا وثيقًا بقضايا العدالة الاجتماعيَّة والحد من عدم المساواة، والعمل اللائق، والعمل المناخي، وهي قضايا تتقاطع مباشرة مع أهداف التنمية المستدامة، ولا سيَّما الهدف الرابع المتعلِّق بالتعليم الجيد.

ويسهم المركز، من خلال بناء شبكات إقليميَّة فاعلة، في ربط الشباب بصنَّاع القرار، والباحثِينَ، والمؤسَّسات التعليميَّة بما يضمن استدامة المشاركة الشبابيَّة بعد الفعاليَّات، ويحوِّلها إلى ممارسة مؤسسيَّة قابلة للقياس والمتابعة.

وانطلاقًا من ذلك، لم يعد الاحتفاء باليوم الدوليِّ للتعليم حدثًا رمزيًّا، بل ينظر إليه منصَّة سياساتيَّة ومعرفيَّة لإنتاج أطر مرجعيَّة، وموجزات سياسات، وأدوات تنفيذيَّة، وشراكات مستدامة تضمن امتداد الأثر لما بعد الفعاليَّات. ويعكس هذا التوجُّه إدراكًا متزايدًا بأنَّ بناء مستقبل التعليم يتطلَّب إشراك المستفيدِينَ الرئيسِينَ فيه، وفي مقدِّمتهم الشباب، بوصفهم شركاء في التصميم، وصناعة القرار.

وخلاصة القول، إنَّ الاستثمار في مشاركة الشباب في الرسم التشاركي لملامح التعليم، يمثل مدخلًا إستراتيجيًّا لتحسين جودة النظم التعليمية، وتعزيز عدالتها واستدامتها. فالتعليم الذي يُبنَى بالشراكة مع الشباب، هو تعليم أكثر قدرةً على الاستجابة للتحوُّلات، وأكثر ارتباطًا بالواقع، وأقدر على تحقيق التنمية المستدامة للأجيال الحاليَّة والمقبلة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store