Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد بن محمد الغامدي

دبابات التوصيل.. نعش طائر بشوارع جدة

A A
ما يحدثُ اليوم في شوارع جدَّة -وكثيرٍ من مدن المملكة- لم يعدْ مجرَّد ملحوظاتٍ عابرةٍ، أو شكاوى فرديَّة، بل تحوَّل إلى ظاهرةٍ مقلقةٍ تستحق التوقُّف عندها بجديَّة.

دبابات التوصيل، التي كان يُفترض أنْ تكون وسيلة لخدمة الناس، وتسهيل حياتهم، أصبحت في نظر كثيرين «نعشًا طائرًا»، يطير بين السيَّارات، ويتسلَّل بين المسارات، ويترك خلفه حوادث دامية، وأُسرًا مفجوعة.

المشكلة ليست في الشاب الذي يقود الدباب، هذا السائق في الغالب مسكين، يعمل تحت ضغط المستهدَف اليوميِّ، ويُحاسَب بالدقيقة والثانية، ويُهدَّد بخصم أو إيقاف إذا تأخَّر، فيجد نفسه مضطرًا للمخاطرة بحياته، وحياة غيره، فقط ليُوصل وجبةً، أو طلبًا في أسرع وقت.

واقع شوارعنا يقول: إنَّ دبابات التَّوصيل تحوَّلت إلى قنابلَ متحرِّكة، تجاوز الإشارات، السَّير عكس الاتِّجاه، الانزلاق بين السيَّارات، تجاهل قواعد السَّلامة.. مشاهد تتكرَّر يوميًّا، ومع ازدحام جدَّة وكثافة الحركة، يصبحُ الحادثُ مسألة وقت لا أكثر، والنتيجة إصابات خطيرة، وفيات، وخسائر بشريَّة لا تُعوَّض. وهنا نضطر نقولها بوضوح: الدَّباب داخل المدينة غير آمن، مهما حاولنا تجميل الصُّورة.

لا أحدَ ينكر أنَّ خدمات التَّوصيل أصبحت جزءًا أساسًا من الاقتصاد الاستهلاكيِّ في المملكه، وهو ما تؤكِّده لُغة الأرقام الصَّادرة عن الهيئة العامَّة للإحصاء لعام 2024، فقد بلغ إجماليُّ عدد الطلبات المنفَّذة لنشاط توصيل الطلبات المرخَّصة في المملكة 288.12 مليون طلب، ما يقارب من نصفها في الرِّياض، بينما وصل نصيب منطقة مكَّة المكرَّمة إلى أكثر من 65 مليون طلب، وتشير البيانات إلى وجود أكثر من 181 ألف سائق، منها 19 ألف سائق دباب، بعدما وفَّر القطاع آلاف الفرص الوظيفيَّة، وبات ينمو بسرعة كبيرة مع تغيُّر نمط الحياة، واعتماد النَّاس على التوصيل، لكنَّ النموَّ السَّريعَ هذا جاء من غير تنظيمٍ كافٍ، التركيز كان على السُّرعة، وعدد الطلبات، أكثر من التَّركيز على السَّلامة، والنتيجة أنَّنا كسبنا راحةً مؤقَّتةً كمستهلكِينَ، وخسرنا أرواحًا في المقابلِ.

اليوم، أصبح من الضروري تدخُّل وزارة النَّقل والخدمات اللوجستيَّة بشكل حازم، نطالب بوقف إصدار تصاريح دبابات التوصيل داخل المدن، بل ومنع تجوالها في الأحياء السكنية، والطرق السريعة، مع إعادة تقييم نموذج التوصيل كاملًا من زاوية السلامة لا الربحية فقط.

الحلُّ ليس معقَّدًا، يمكن إيقاف هذه الخدمة بشكلها الحاليِّ، وأن يُستبدل بالدبابات، سيَّاراتٍ صغيرةً وآمنةً، كهربائيَّة أو اقتصاديَّة، تحمي السَّائق والمجتمعَ معًا، نعم، قد تزيد التَّكلفة قليلًا، وقد يتأخَّر الطلب دقائق إضافيَّة، لكن «وش تسوى» الوجبة إذا كان ثمنها رُوح إنسانٍ؟

أخيرًا.. حياتنا وحياة أولادنا في الشارع، أغلى من أيِّ تطبيقٍ، وأيِّ خصمٍ، وأيِّ سرعة توصيل، وإذا استمرَّ الوضعُ على ما هو عليه، فسنظلُّ نقرأ كلَّ فترة عن حادث جديد، وضحيَّة جديدة، و«نعش طائر» آخرَ.

شوارعنا ليست مضمارَ سباقٍ، وحياةُ النَّاس ليست تقييمَ «خمس نجوم»، أوقفُوا النَّعشَ الطَّائرَ.. قبلَ ما يطيرُ بروحٍ جديدةٍ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store