Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

«الاتصال».. بين مدرستين

A A
يُقاس الاتصال الحقيقي بمدى قربه من الأرض التي يقف عليها، وبقدرته على التعامل مع الواقع كما هو، لا كما يُراد له أن يكون. فهناك من يبني رؤيته الاتصالية اعتمادًا على المعطيات الفعلية، يقرأ التحديات، يفهم المتاح، ويعمل ضمن الممكن، مدركًا أن التأثير يبدأ من فهم السياق قبل صياغة الرسالة. وفي المقابل، يظهر من يتعامل مع الاتصال من زاوية معزولة، حيث تتكدس النظريات الإستراتيجية وتُرفع كنماذج مثالية دون اختبار حقيقي لمدى انسجامها مع البيئة المحيطة.

هذا الاختلاف في المنطلق ينعكس مباشرة على النتائج. الاتصال المرتكز على الواقع ينمو من احتكاك مباشر مع الجمهور، ومع طبيعة المؤسسة، ومع الزمن الذي تُطرح فيه الرسالة. هو اتصال مرن، يتطور مع المتغيرات، ويعيد ضبط مساره كلما ظهرت معطيات جديدة. يعتمد على الملاحظة، والتحليل، والقدرة على التكيّف، ويُدرك أن كل خطوة تحتاج تقديرًا دقيقًا لما هو متاح فعليًا.

أما الاتصال المنطلق من برجٍ معزول، فيغلب عليه الانبهار بالنموذج والنظرية. تُبنى الخطط بلغة واسعة، وتُستخدم مصطلحات رنانة، وتُستحضر تجارب بعيدة عن السياق المحلي. ومع أول مواجهة عملية، تظهر الفجوة بين الفكرة وتطبيقها، وتتراجع قدرة الرسالة على الوصول، ويضعف التفاعل، لأن الأساس لم يُبنَ على فهم عميق للواقع.

التواصل المؤثر يحتاج عقلًا عمليًا يرى في التحديات نقاط انطلاق، لا عوائق. يحتاج وعيًا بأن كل بيئة لها خصوصيتها، وكل جمهور له لغته، وكل مرحلة لها أدواتها. كما يحتاج تواضعًا مهنيًا يجعل من النظرية وسيلة للتفكير، لا إطارًا جامدًا يُفرض على الواقع.

لذلك، تتجلى قوة الاتصال لدى من يجمع بين الرؤية والاستيعاب، بين الطموح والحس العملي، وبين التخطيط والقدرة على التنفيذ. من يدرك أن الإستراتيجية الناجحة تُولد من الميدان، ثم تُنظم بالفكر، وتُصاغ بلغة قريبة من الناس. عند هذه النقطة، يتحول الاتصال إلى أداة فاعلة، تصنع الأثر، وتبني الثقة، وتُحدث تغييرًا ملموسًا في الفهم والسلوك والقرار.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store