يتم الآن البحث عن نظام عالمي سياسي واقتصادي وأمني (مناسب).. ومَن يبحث عن ذلك هو أمريكا، نفس الدولة التي دفعت العالم نحو هيئة الأمم المتحدة ومجالسها، ثم خططت لسياسات العولمة بتعقيداتها، والتي يبدو أنها تجد اليوم أن نتائج ما زرعته، قامت (الصين)، وغيرها بحصاده.
في دافوس، سويسرا، أعلن البيت الأبيض الأمريكي أن العولمة قد سقطت، وأنها لم تكن مناسبة للمعايير التي تطلبها الإدارة الأمريكية الحالية. وشن مفكرون ومحللون أمريكيون، حرباً على ما وصفوه بإرث الإمبراطورية البريطانية، أي النظام العالمي الحالي، الذي أغرى وينستون تشرشل، رئيس وزراء بريطانيا خلال الحرب العالمية الثانية، رفاقه الأمريكيين بالمشاركة في شأنه، والاستفادة من الانهيار الذي أصاب أوروبا خلال تلك الحرب.
كانت الدول الأوروبية حينها تستعمر أجزاء كبيرة من العالم، بإفريقيا وأمريكا اللاتينية وآسيا والشرق الأوسط.. ورسم البريطانيون، مع زملائهم في أمريكا، خارطة لنظام عالمي تكون فيه أمريكا المهيمنة على العالم، وتقوم دول أوروبا بالتخلي عن مستعمراتها، بإرادتها أو بأساليب أخرى، وترك ثروات المستعمرات لصالح الشركات الأمريكية.. كانت الفكرة جميلة ومغرية، وجزءاً من التكلفة التي ستتحملها واشنطن لتحرير أوروبا من ألمانيا النازية، وإعادة إعمارها.
اكتشفت أمريكا - دونالد ترمب- الآن، أن الفوائد التي جنتها من استفرادها بإدارة العالم، عبر مؤسسات الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية، اخترقتها مصالح دولة أخرى هي (الصين)، التي لم تكن بذات الأهمية عند الاتفاق الأوروبي - الأمريكي بنهاية الحرب العالمية الثانية، وأن أوروبا التي ساعدت في إعادة بنائها تمادت في ليبراليتها؛ بشكل غير مقبول من نخب أمريكية نافذة.. وظهرت موجة شعبية أمريكية ترفع شعار «اجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى (MAGA)» رفعت إلى السلطة نخبة سياسية - اقتصادية، دونالد ترمب واجهتها، ونحن نعيش هذه المرحلة.
لم تكتمل المرحلة (الترمبية) بعد، وليس في نيتها الإبقاء على الأمم المتحدة ومجالسها كما هي. كما أنه لازال من المجهول ما الذي سيحل محلها. وكان «مجلس سلام غزة» عندما أُعلن عنه يختص بغزة فحسب، ثم تحول فجأة إلى «مجلس سلام عالمي»، وقيل إنه سيكون بديلاً عن الأمم المتحدة، وبعد ذلك قال مؤسسوه أنه لن يحل محل الأمم المتحدة، بل سوف يُنسِّق معها. ولازال هذا القول قائماً حتى كتابة هذه السطور.
النظام الليبرالي القائم، بصرف النظر إذا كان يعجبنا أم لا، لديه قواعد وأنظمة وأجهزة تجعل العلاقات بين الدول، بل وداخلها أيضاً، تسير بشكل منظم نوعاً ما. حتى مع سعي الأمريكيون إلى وضع استثناءات خاصة بهم عندما يحلو لهم ذلك، لعدم تطبيق ما ينادون بتطبيقه.. وإذا أرادت (حركة ماجا) ابتكار نظام جديد للعالم، فعليها وضع قواعد جديدة، ونظام جديد يستجيب لمتطلبات عالم سريع التغيير.. وليس من الواضح، حتى الآن، إذا تم أو يتم ذلك، في كواليس السياسة الأمريكية.
الفترة الرئاسية الحالية للرئيس دونالد ترمب، لن تتيح له ومجموعته تحقيق الكثير.. فهل تستطيع (حركة ماجا) انتخاب رئيس أو أكثر مطابقين لمواصفاتها، وكذلك اختيار سلطات تشريعية وقضائية تستجيب لأهداف هذه الحركة خلال السنين القادمة.
لن نعرف الآن، إلا أن العالم سيدفع ثمناً للفوضى التي فتحت أبوابها.


