Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. بكري معتوق عساس

علي بن جهم.. الشاعر الفارس

A A
الشاعرُ الفارسُ علي بن الجهم بن بدر بن مسعود الفهري القرشي، وُلِدَ عام 188هـ، كان شاعرًا فارسًا في العصر العباسيِّ، قلَّ أنْ يكون له مثيلٌ في الشعر، كان عذب الكلمة، رقيق القلب، مرهف الإحساس، وفصيح اللِّسان، استمد اللُّغة الصَّارخة من قبيلته، وهو من مواليد خرسان.

دارت له خلافات شعريَّة مع شعراء الخليفة المتوكل، كان علي بن الجهم بدويًّا، وقد ذهب للخليفة المتوكل، وكان يريد أنْ يمدحه، فقال في قصيدة له:

أنتَ كَالكَلبِ فِي حِفَاظِكَ لِلوُدِّ

وَكَالتَيسِ فِي قِرَاعِ الخُطُوبِ

أَنْتْ كَالدَّلوِ لَا عَدمْنَاكَ دلوَا

مِن كِبارِ الدَِلا كَثيرُ الذَّنُوبِ

(الذَّنوبُ: معناها كثيرُ السَّيلان؛ بسبب امتلائه).

لم يغضب عليه الخليفة المتوكل؛ لأنَّه عرف أنَّه بدويٌّ، وطبعه خشونةُ اللفظ، وعرف أنَّه لم يقل ذلك إلَّا بسبب البيئة التي عاش فيها، فضحك المتوكل وأمر له بدارٍ حسنةٍ على شاطئ دجلة، فيها بستان حسن، والجسر قريبٌ منها، وأمر بالغذاء اللَّطيف أنْ يتعاهد به، فكان ابن الجهم يرى حركة النَّاس ولطافة الحضر، فأقام ستة أشهر على ذلك، والأدباء يتعاهدُون مجالسته، ثم استدعاه الخليفة المتوكل بعد مدة لينشده، فحضر وأنشد القصيدة الجميلة والعذبة الذي يقول في مطلعها:

عُيونُ المَهَا بَينَ الرَّصَافةِ وَالجِسرِ

جَلَبنَ الهَوَى مِن حيثُ أدرِي وَلَا أَدْرِي

أَعدنَ لِيَ الشَّوقَ القَديمَ وَلمْ أَكنْ

سَلوتُ، وَلَكنْ زِدَنَ جَمْرًا عَلَى جَمْرِ

فضحكَ المتوكل وقال: لقد خشيتُ أنْ يذوب لطافةً ورقَّةً، ثم أمر له بشيءٍ.

كان علي بن الجهم حسنَ الوجه، ذكيَّ الفؤاد، كثيرَ النشاط، ظهرت عليه النَّجابة منذ طفولته، فكان يملأ البيتَ وثبًا ولعبًا، حتى أقلق والده بضوضائه، فطلب والده من معلِّمه في الكُتَّاب بأنْ يحبسه هناك، فلمَّا رأى أصحابه

ينصرفُون إلى بيوتهم وهو محبوسٌ، أخذ لوحةً وكتبَ عليها لوالدتِهِ بيتَين قال فيهما:

يَا أُمَّنَا أَفدِيكِ مِنْ أُمٍّ

أَشْكُو إِليَكِ فَظَاظَةَ الجَهْمِ

قدْ سرَّحَ الصُّبيَانَ كُلَّهُم

وَبقيتُ مَحسُورًا بِلَا جُرْمِ

عاش علي بن الجهم في فترة كان فيها الكثير من الخلفاء، بدءًا من المأمون حتى المتوكل، كان أغلبهم يحبونه ويحبهم، حتى عهد الواثق بالله، ولكن ذلك لم يمنع علي بن الجهم من الهجاء فيهم، مثل قوله في الخليفة الواثق بالله:

أيُّهَا الوَاثقُ باللهِ

لَقَدْ نَاصَحتَ رَبَّكَ

أصبحت حُجَّتكَ العُليَا

أنهبِ الأموالَ نهبَكَ

وقال قصيدة في هجاء بني مُتيَّم:

بَنِي مُتيَّم هَلْ تدرُونَ مَا الخبرُ؟

وَكيفَ يُستَر أمرٌ ليسَ يُستَتَرُ

قَدْ كَانَ شيخُكُم شَيخًا لَهُ خَطَرٌ

لكنَّ أًمَّكمُ فِي أَمرِهَا نَظَرُ

لعلي بن الجهم قصائد عديدة جلُّها عذبة، ومنها هذه القصيدة الجميلة:

أَبلِغْ أَخَانَا تَولَّى اللهُ صُحبتَهُ

أَنِّي وَإِنْ كنتُ لَا أَلقَاهُ، ألقَاهُ

وَأَنَّ طَرفِيَ مَوصولُ بِرُؤيتِهِ

وَإِنْ تَباعَدَ عَن مَثوَايَ مَثْوَاهُ

اللهُ يعلمُ أنِّي لستُ أذكُرُهُ

وَكَيفَ أذكُرُه إِذْ لستُ أنسَاهُ

وهو القائل:

ماءُ المَدامعِ نائرٌ الشَّوقِ تَحدُرُهُ

فَهَل سَمعتَ بمَاءٍ فاضَ مِن نَارِ

خرج من خرسان إلى الشَّام، فانتقل إلى حلب، ثم خرج منها بجماعة للجهاد، فاعترضه جمعٌ من أعدائه من الأَعراب الكلبيِّين، فقاتلهم حتَّى مات بين أيديهم في عام 249هـ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store