من أكثر المَعَالم التي تُميِّز جدَّة «عروس البحر»، عن بقيَّة مدن المملكة، هي تلك الدوَّارات الجماليَّة التي تتوسط أغلب تقاطعات شوارعها الرئيسة، والتي تُعدُّ جزءًا أصيلًا من هويَّتها الفنيَّة والثقافيَّة، والتي حوَّلتها منذ ثمانينيَّات القرن الماضي إلى واحدة من أروع «المتاحف العالميَّة المفتوحة»، فضلًا عن كونها عناوين بارزة، يكفي للوصول إلى وجهتك، إبلاغ سائق الأجرة، أو تطبيق الخرائط، أنَّه بجوار (دوَّار التاريخ)، أو (دوَّارالبيعة)!!
لذلك، رغم الاختناقات المروريَّة بجدَّة، وتكدُّس المركبات أثناء وخارج أوقات الذروة، حتَّى أصبح الذهاب إلى العمل، أو النزهة مغامرة شبه مستحيلة، إلَّا أنَّني أستنكرُ إزالة الدوَّارات الجماليَّة، التي تحوَّلت إلى هويَّة تاريخيَّة، وكأنَّك تستبدل بالزيِّ الوطنيِّ «الثوب والشماغ»، الـ «تي شيرت، والبرمودة»، أو بالعباءة والطَّرحة، الفساتين المكشوفة؛ لمجرَّد أحساسك بالضيِّقة، أو الرطوبة، أو الرغبة بمواكبة الموضة والأفكار التغريبيَّة!!
لقد شُيِّدت هذه الدوَّارات الجماليَّة، على يد أعظم المصمِّمين العالميِّين، جامعةً بين النواحي الفنيَّة والمعاني الرمزيَّة، ومن أهمها: دوَّار الكرة الأرضيَّة، قام بتصميمه أوتمار هولمان، وافتتح عام 1982م، وهو مَعْلَم يجسِّد الملتقى الثقافي، ويبرز من بعيد ويتلاشى كلَّما اقتربت منه، ودوَّار القبضة: صمَّمه سيزار بالداشيني، ويرمز إلى القوَّة، ودوَّار النَّورس: صمَّمه بشكل تجريديٍّ مصطفى سنبل، ويرمز للحريَّة، وهويَّة جدَّة البحريَّة.
ونظرًا لهذا الثقل التراثيِّ والإبهار البصريِّ للدوَّارات الجماليَّة، فقد نجحت أمانة جدَّة في الموازنة بين تعزيز السلامة المروريَّة، وبقاء المعالم الحضاريَّة، مثل: دوَّار الهندسة، مكعب السيَّارات المشهور بـ(دوَّار الزهارين)، ودوار الدرَّاجة (أبونا آدم)، الذي صمَّمه خوليو لافوينتي، والذي يرمز للتطوُّر، الحداثة، الحركة الدائمة للمدينة، والذي سُجِّل في موسوعة جينيس كأكبر درَّاجة في العالم، وقد تمَّ نقله في 2013 لتطوير الحركة المروريَّة.
فيما تسرَّعت أمانة جدَّة في المقابل، بإزالة العديد من الدوَّارات الجماليَّة، نزولًا عند رغبة الخطط المروريَّة، ومنها: دوَّار الزهرة، دوَّار السفن، دوَّار الشَّاكرين، دوَّار الفلك، دوَّار الطيَّارة، ومؤخَّرًا جاري العمل على (نحر دوَّار الجَمَل)، الذي صمَّمه الفنَّان ربيع الأخرس، والذي يرمز للتمازج بين (سفينة الصحراء، وسفينة البحر)، وكان حرِّيًا بها الحفاظ عليه، وتشييده بجانب الطريق باتجاه الشاطئ، صيانة لإرث الدوَّارات الجماليَّة، وترسيخًا لهويَّة المدينة.


