في طفولتي، حين لم أتجاوز الثَّامنة من عمري، لم يكن الفن بالنسبة لي فكرةً أو مفهومًا، بل تجربة يوميَّة صامتة. كان والدي -حفظه الله- محبًّا للأعمال الفنيَّة، يجلبُ لوحاتٍ من إيطاليا، ويضعها في البيت وكأنَّها جزءٌ طبيعيٌّ من الحياة. لم أكنْ أفهمُ قيمتَها الفنيَّة -آنذاك- لكنَّني كنتُ أشعرُ بشيءٍ مختلف كلَّما وقفتُ أمامها، شعور لا أستطيعُ تفسيره، لكنَّه كان حاضرًا بقوَّة. كنتُ أستيقظُ صباحًا لأتأمَّل إحدى اللَّوحات، أحدِّقُ فيها طويلًا، وأحاولُ أنْ أكتشف إنْ كانت تتحرَّك. أحيانًا كنتُ أظنُّ أنَّ بإمكاني الدخول إليها، وأحيانًا أُخْرى كنتُ أنتظرُ أحد شخوصها أنْ يخرج أو يمشي.
كنتُ أعيشُ هذا الخيال وحدي، دون أنْ أشرحه، أو أبرره، وكأنَّ اللَّوحة كانت عالمًا سريًّا لا يخصُّ سواي.
ذلك الخيال الطفولي لم يكن عابرًا. مع الوقت، أصبح جزءًا من طريقتي في النَّظر إلى الأشياء. أحببتُ القصص غير التقليديَّة، ومالت قراءاتي لاحقًا إلى الروايات التي تكسرُ حدود الواقع، وتمنحُ الخيال مساحةً واسعةً. لم أكنْ أعلمُ -حينها- أنَّ تلك الوقفات الصامتة أمام لوحةٍ فنيَّةٍ كانت تدريبًا مبكِّرًا على التأمُّل، وعلى رُؤية ما وراء الشَّكل.
لهذا، حين أشاهدُ فيلمًا مثل (الرجل الذي بكى)، أشعرُ أنَّني أعودُ إلى تلك الطفلة. الفيلم لا يعتمد على الحوار، بل على الصَّمت، والنَّظرة، والإحساس الداخليِّ، وهو ما قدَّمه جوني ديب بأداءٍ هادئٍ وعميقٍ. هذا النوع من السينما لا يفرض معناه، بل يترك لك حريَّة الشعور والتأمُّل.
وحتَّى في أفلام ضخمة جماهيريًّا، مثل تايتانيك، كان الجوهر بالنسبة لي تأمُّليًّا وإنسانيًّا. لم يكن الفيلمُ مجرَّد كارثةٍ بحريَّةٍ، أو قصة حُبٍّ مأساويَّة، بل تجربة شعوريَّة كاملة، حملها ليوناردو دي كابريو بأداءٍ صادقٍ وبسيطٍ، اعتمد على الإحساس أكثر من الخطابة. ليوناردو لم يحتج إلى مبالغة؛ ليجعلنا نصدِّق، بل ترك للمشاعر أنْ تقودَ المشهد، وهو ما جعل الفيلم يعيشُ في الذَّاكرة حتى اليوم.
وأرى أنَّنا في السينما السعوديَّة بحاجةٍ فعليَّةٍ إلى هذا النمط من الأفلام؛ سينما تمنحُ الإحساس مساحةً، وتبتعدُ عن الاستهلاك السَّريع. وهذا النوع من الأداء التأمُّليِّ لا يقتصرُ على السينما العالميَّة فقط. فقد كتبتُ في مقال سابق عن براعة معتصم النهار في هذه الأدوار تحديدًا. أدوار تعتمدُ على التَّعبير الداخليِّ، وعلى الإحساس أكثر من الكلام، وهي مساحة صعبة لا يتقنُها إلَّا قلَّةٌ.
معتصم النهار يمتلكُ قدرةً نادرةً على حمل المشهد بصمته، وعلى إيصال المشاعر بأدقِّ التفاصيل.
* من النافذة:
بعضُ الأعمالِ لا تُشاهَد، بل تسكن في الذَّاكرة؛ لأنَّها تشبُهنا أكثر ممَّا نظنُّ.


