تُعدُّ مسألة قُرب المدرسة أو بُعدها عن المنزل من أكبر التحدِّيات التي تواجه أولياء الأمور؛ لما لها من أثرٍ مباشرٍ على استقرار الطَّالب والأُسرة معًا. فالجميع يتطلَّع إلى أنْ يذهب الابنُ أو الابنةُ إلى المدرسة دون أعباء إضافيَّة تتعلَّق بالتَّوصيل أو التَّكلفة.
وقد أولت حكومتُنا الرَّشيدة التعليمَ اهتمامًا كبيرًا، إذ خُصِّص في كلِّ مخطط أو مربَّع سكنيٍّ موقعٌ للمدارس، كما جرى في السنوات الأخيرة تقليصُ المدارس المُستَأجَرَة بشكلٍ ملحوظٍ، حتَّى أصبحت نسبتها محدودةً في بعض المدن. إضافةً إلى ذلك، وفَّرت وزارة التعليم خدمة النقل التَّردُّدي للطُّلاب القاطنِينَ بعيدًا عن مدارسهم، وبأجورٍ رمزيَّةٍ تخفِّف العبء عن كاهل الأُسر.
ورغم هذه الجهود، قد يضطر ولي الأمر -أحيانًا- لطلب نقل ابنه إلى مدرسة بعينها لظروفٍ قاهرة، تكون مُبرَّرة وواضحة، ومُرفَقَة ضمن معاملة النقل، فتتفهم بعض إدارات المدارس تلك الظروف، ويقبلون النقل، وبعضها يرفض بحجة امتلاء الفصول، أو أن ميزانية المدرسة لا تسمح، وكأنَّ القبول تفضُّل وليس واجبًا، وفي بعض الحالات، يضطُر ولي الأمر إلى البحث عن صديقٍ أو قريبٍ يكون على صِلةٍ بالمدير ليتشفَّع له، ليكون سببًا للقبول، بدلًا من النَّظر إلى الظروف الإنسانيَّة المقدَّمة.
وهنا تتحوَّل بعض المدارس -للأسف- من مؤسسات تربويَّة واجتماعيَّة، إلى إدارات تمارس السُّلطة دون مراعاة لظروف الآخرِينَ، بدلًا من العمل بمبدأ تيسير الأمور على العباد؛ لأنَّنا في النهاية شعبٌ مسلمٌ، وبعض المدارس تُخيِّل للمرء أنَّ ما ينقصها لوحة حمراء على المدخل كالفنادق تقول: «لا توجد أماكن شاغرة».
أمَّا مدارس البنات، فالمشكلة فيها أشدُّ تعقيدًا، إذ تتعامل بعض مديراتها مع المدرسة وكأنَّها ملكيَّة خاصَّة، لا تخضع لتعليمات إدارات التَّعليم فيما يتعلَّق بالقبول أو غيره. ولا يُعرف سببُ استمرار بعض المديرات في مواقعهنَّ رغم الشَّكاوى، مع أنَّ إعفاء مديرة واحدة، وإعادتها للتَّدريس كفيلٌ بأنْ يكون رسالةً واضحةً وردعًا لغيرِها.
وعلى النقيض من ذلك، نجد في إدارة تعليم المدينة المنوَّرة نموذجًا مشرِّفًا في التعامل والاحتواء، بدءًا من رأس الهرم مدير التعليم الدكتور ناصر العبدالكريم، حيث يلمس المراجعُ الابتسامةَ وحُسنَ الاستقبالِ، والكلمة الطَّيبة، والسَّعي الجادَّ لحلِّ مشكلة الطَّالب بسرعةٍ واهتمام، ويعاونه في ذلك الأستاذ خالد الأحمدي مساعد المدير، والأساتذة المشرفُون مسلم البلادي، ومحمد مطر، ومسؤول التَّسجيل الأستاذ أسامة الأحمدي، وهم وجوهٌ تربويَّةٌ مشرقةٌ، وعناوين حقيقيَّة لنجاح العمليَّة التعليميَّة في المدينة المنوَّرة.. وجوه تعايشت مع الواقع التعليميِّ سنين، وتملك الخبرات، لذلك وصلُوا لقمَّة الهرم، حيث يعرفُونَ جيِّدًا ما يجب فعله لراحة الطَّالب، والمعلِّم، وولي الأمر.
في إدارة تعليم المدينة، تشعرُ بأنَّ لكل مشكلةٍ حلًّا، وأنَّ أسلوب التعامل وحده كفيلٌ بأنْ يغادر المواطنُ وأيضًا المقيمُ، وهو راضٍ عن الخدمات التعليميَّة المُقدَّمة له.
* خاتمة:
العمليَّة التربويَّة تحتاجُ إلى مقاييسَ عملٍ واضحة، ومتابعة، ومحاسبة لإدارات المدارس في نهاية كل عام. وليس عيبًا أنْ نقول للمُقصِّر إداريًّا: كَفَى وشُكرًا، وأنْ نضع الكفاءةَ في مكانها الصَّحيح. ولعلَّ البداية تكون بمحاسبة المُقصِّرين؛ حفاظًا على رسالة التعليم، وحقوق الطُّلاب، وأولياء أمورهم.


