تبذلُ وزارةُ الداخليَّة السعوديَّة -عبر أجهزتها العديدة- جهودًا متواصلةً لتحذير المواطنِينَ والمقيمِينَ من الوقوع في فخِّ عصابات الاحتيال الماليِّ التي تستهدفهم، وتحاول الاستيلاء على أموالهم برسائلَ مشبوهةٍ على الهواتف والبريد الإلكترونيِّ، حيث يتظاهرُونَ بأنَّهم من موظَّفي البنوك، ويرغبُونَ في تحديث بيانات العملاء، حتى لا تتعرَّض للإيقاف. كما يحاولُونَ في حالات أُخْرى إيهام ضحاياهم بأنَّهم فازُوا بجوائزَ ضخمةٍ، ويطلبُون أرقام الحسابات المصرفيَّة لإرسالها لهم.
ورغم تنبيهات وزارة الداخليَّة، والبنوك التجاريَّة كثيرًا لعملائها، وكذلك الرسائل الإرشاديَّة التي يصدرها البنكُ المركزيُّ السعوديُّ للعملاء، وتحذيرهم من التجاوب مع هذه الرسائل، إلَّا أنَّ المفارقة تكمنُ في أنَّ بعض البسطاء لا زالوا ينساقُونَ وراءها، ويقعُونَ في الفخِّ؛ ليفاجأوا بعد دقائق قليلة، بأنَّ هناك مَن استولى على أموالهم، وقام بسحب أرصدتهم.
وضمن جهودها التحذيريَّة المستمرَّة، أطلقت المديريَّةُ العامَّةُ للجوازاتِ -مؤخَّرًا- حملةً توعويَّةً ضخمةً تحت وسم #لا_يستغلونك؛ بهدف تعزيز الوعي الأمنيِّ والرقميِّ لدى المستفيدِينَ، والحدِّ من أساليب الاستغلال والاحتيال عبر الشبكات الإلكترونيَّة. كما قامت بتخصيص الرَّقم الموحَّد 911 في مناطق مكَّة المكرَّمة، والرِّياض، والشرقيَّة، والرقم 999 في بقيَّة مناطق المملكة، إضافةً إلى مطالبة المتضرِّرِينَ بالتبليغ الفوريِّ، ومراجعة أقرب مركز شرطة.
كما تنبِّه الوزارةُ المواطنِينَ والمقيمِينَ بصورةٍ متواصلةٍ؛ من التجاوب مع أولئك الذين يُوجدُون بالقربِ من أجهزة الصرَّاف الآليَّة، ويطلبُونَ منهم تحويل مبالغ لحسابات مجهولة؛ لأنَّه حتى إذا كان المبلغ المطلوب تحويله بسيطًا، فإنَّه يمكن أنْ يتسبَّب لهم في حدوث مشكلات عديدة، ويضعهم تحت طائلة المحاسبة القانونيَّة؛ لأنَّه يمكن أنْ يكون قد تمَّ تحويله لحساب تاجر مخدَّرات مثلًا، أو شخصٍ مشبوهٍ.
كذلك ربما يُقابلك مَن يطلب منك استخدام هاتفك المحمول، بذريعة أنَّه نسي مكان هاتفه، وأنَّه يريد التأكُّد من أحد أقاربه ما إذا كان قد نَسِي الهاتف في المنزل، وكل تلك حيلٌ خادعةٌ؛ لأنَّ الاتِّصال ربما يكون على رقم أحد المجرمِينَ، أو المطلوبِينَ الهاربِينَ من العدالة. ولأنَّنا بطبيعة الحال شعبٌ عاطفيٌّ، نسارعُ في العادة لتقديم يد العون لمَن يطلبُ المساعدة، إلَّا أنَّ ذلك لا ينبغي أنْ يصل إلى حدِّ السذاجة، وعلينا التجاوب الكامل مع جهود الأجهزة الأمنية، والتحلي بالحذر في التعامل مع الغرباء، لا سيما في المسائل المالية، والتمييز بين المروءة والشَّهامة، وبين السذاجة المفرطة.
أمَّا الانسياق وراء أوهام الثَّراء السَّريع، لا سيَّما مع «النصَّابِينَ»، الذين يخدعُونَ ضحاياهم، ويزعمُونَ فوزهم بجائزة «يانصيب» بمبالغ مغرية، يسيلُ لها اللُّعاب، ويطلبُون منهم إرسال أرقام حساباتهم البنكيَّة لتحويل تلك المبالغ، فإنَّ ذلك ممَّا يثير الدَّهشة.
ورغم الأساليب الجهنميَّة والشيطانيَّة التي يلجأ إليها هؤلاء المحتالُونَ، ومحاولاتهم لإغراء ضحاياهم وإيقاعهم في الفخِّ، إلَّا أنَّ ذلك لا ينبغي أنْ يكون مبرِّرًا لإرسال رقم حساب بنكيٍّ أو صورة بطاقة صرَّاف آليٍّ لأشخاص لا نعرفهم، ولا تربطنا بهم أيُّ سابق معرفة. كما أنّ البنوك تُحذِّر باستمرار في رسائلها التوعويَّة من التعامل مع مثل هذه الرسائل، وتُشدِّد على أنَّ موظَّفيها لا يطلبُونَ أيَّ بيانات خاصَّة من العملاء، وأنَّ تحديث البيانات يتمُّ إمَّا عبر زيارة البنك، أو بواسطة أجهزة الخدمة الذاتيَّة المنتشرة في كثير من المواقع.
ومع أنَّ ظاهرة الاحتيال الماليِّ تنتشر في معظم دول العالم، لكن نلاحظ تركيزًا كبيرًا من هؤلاء المحتالِينَ على مواطنِي الدول الخليجيَّة، التي تمتازُ بارتفاع معدَّلات الدخل بين سكانها، نتيجة لما تشهده من نهضة اقتصاديَّة جعلتها هدفًا لعصابات الاحتيال الماليِّ، التي تمارس أنشطتها من مختلف الدول.
الجانب الآخر في هذه الجرائم؛ هو أنَّ أثرها لن يقتصر فقط على الضحايا المباشرين، فتلك الأموال التي تصبُّ في حسابات جهات مجهولة، قد تكون مصدرًا لتمويل عمليَّات غير قانونيَّة، مثل غسل الأموال، والتجارة غير المشروعة، مثل تهريب وترويج المخدِّرات، أو الاتجار في البشر، وبيع الأسلحة، وجرائم الفساد الماليِّ والإداريِّ، حيث يلجأ كثيرٌ من المتورِّطِين في تلك الجرائم للاحتيال لإسباغ الشرعيَّة على أموالهم، وإدخالها في حساباتهم البنكيَّة.


