عُرف بالصَّرامة، وتقدير الانضباط، وأوَّل مَن أوجد وظيفة المُشرف الاجتماعيِّ، ووظيفة المُشرف الثقافيِّ، وهي مسمَّيات لم تكن موجودةً في المدارس السعوديَّة -آنذاك-.
أدخل حصَّتَين لمادة الموسيقى على الجدول الدراسيِّ، كانتَا آخر حصَّتَينِ من يوم الخميس، حيث يدرس التلاميذُ فيهما النوتة الموسيقيَّة، وكانتا تُسمَّيان حصَّتَي النشاط اللامنهجيِّ، الذي يكون عادةً في الاجتماعيَّات، أو الثقافة، أو الموسيقى.
وكانت هناك فرقة موسيقيَّة تعزفُ جميعَ الأناشيد الوطنيَّة؛ عند استقبال رُؤساء الدُّول، وكبار الزوَّار.
حظي بثقةِ ودعمِ الملك فيصل -الذي كان حينها وليًّا للعهدِ- ووجَّهه بتحويل مدرسة الثَّغر إلى منارةٍ علميَّة تضاهي نظيراتها في العالم، فأوجد بها المعامل، والمختبرات، والوسائل التعليميَّة، والملاعب الرياضيَّة.
ويُحسب لهذا المُربِّي القدير، إنجازات متعدِّدة وغير مسبوقة في حينه، حيث أوجد في كلِّ فصل مكتبةً مدرسيَّةً، واهتمَّ بالمسامرات الأدبيَّة الأسبوعيَّة، وبجماعات النَّشاط المدرسيِّ في سائر النشاطات غير المنهجيَّة، وهو أوَّل مَن سعى إلى توحيد الزيِّ المدرسيِّ.
وكانت مدارس الثغر النموذجيَّة، قد سبقت جميع المدارس إلى تقديم وجبةٍ غذائيَّةٍ غنيَّةٍ بالمتطلَّبات الصحيَّة. جاء ذلك قبل الشروع في إقرار وجبة الإفطار على كافَّة مستويات المدارس.
ويُحسب له أنَّه أوَّل مَن أصدر صحيفة حائط مدرسيَّة، فضلًا عن الإبداعات الفنيَّة للحفل الختاميِّ السنويِّ؛ الذي يعتبره البعضُ عيدًا يفدُ إليه الكُتَّابُ، والأدباءُ، والمثقَّفُون، ويُسجَّل ويُذاع من قِبَل الإذاعة السعوديَّة.
اهتمامه بالطَّالب في مدرسته لا حدَّ له، وعلاقته مع أولياء الأمور كانت بشكلٍ مستمرٍّ، وكلُّ معلِّم في مدرسته يحظى برعايةٍ واهتمامٍ خاصٍّ، فهو مُربٍّ قديرٌ وعظيمٌ، قويُّ الشخصيَّة، ولا يتهاون في تطبيق أنظمة المدرسة، ولا شفاعة لأميرٍ، أو غفيرٍ، أو صديقٍ حميمٍ له في الشَّأنِ المدرسيِّ.
غرس روح المساواة بين الطُّلاب، فجعل الوجبة الغذائيَّة إجباريَّةً، حتَّى لا يشعر الطُّلاب الذين يحتاجُونَ إليها بالفارق بينهم وبين زملائهم؛ الذين يجدُون مثلها في بيوتهم كلَّ يوم. وكذلك الحال في توحيد الزيِّ الطلابيِّ.
إنَّه المربِّي الفاضلُ الأستاذُ محمد فدا -يرحمه الله- الذي فضَّل العمل في التعليم، واعتذرَ عن العمل قاضيًّا رغم تخصُّصه في القضاء، الذي دَرَسه بكليَّة الشَّريعة بجامعة الأزهر. يُنسَب إليه أنَّه كان يبعث كل عام خطابًا مع الشِّهادة المدرسيَّة لوليِّ الأمر، وخطابًا آخرَ للطَّالب يقولُ فيه: إنَّ الإجازةَ المدرسيَّة ليست للرَّاحة والاسترخاء، لكنَّها لمزيدٍ من الثقافة، وتقوية المعلومات، والانصهار مع المجتمع، وهذه هي التَّربية بجانب التَّعليم.
رَحِمَ اللهُ الأستاذَ محمد فدا، وأحسنَ مثواهُ.. إنَّه رجلٌ تربويٌّ من طراز حديث وفريد من نوعه، ورائدٌ في نهضة العِلم والتَّعليم.


