Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

الخادمات والاستقدام.. سؤال مفتوح

A A
ليست الحوادث المفجعة بحاجة إلى كثير من التَّوصيف، فبعض الأخبار والمشاهد.. حين تُقرأ، تفرض صمتًا أطول من أيِّ تعليق!! وما جرى للفنَّانة السوريَّة «هدى شعراوي» برحيلها المفاجئ على يد خادمتها، لم يكن مجرَّد خبر عابر، بل صدمة أعادت فتح ملفٍ مؤجَّل، اعتدنا تأجيله كلَّما ظننا أنَّنا تجاوزناه.

سيِّدة في عقدها الثامن، فنَّانة، مثقَّفة، ووفق ما أظهرته الروايات والمقاطع المتداولة، كانت تُعامل خادمتها بلطفٍ وإنسانيَّة، لم تُقصِّر، ولم تُسئْ ولم تتعامل من موقع سُلطة أو قسوة، ومع ذلك، انتهت الحكاية بجريمةٍ «مباغتةٍ» قاسية، لا تفسيرَ مباشر لها، ولا منطق يُسعف العقل في استيعابها.

هذا الملفُّ ليس جديدًا عليَّ، فقد تناولتُ موضوع الاستقدام سابقًا في هذه الصحيفة، ولامستُه من زوايا متعدِّدة، بعضها شخصيٌّ، وبعضها اجتماعيٌّ، وبعضها سمعناه جميعًا في مجالسنا، والحق يُقال: لا يكاد بيت في المملكة، أو في أيِّ دولة تستقدمُ هذه العمالة، يخلُو من قصص تتفاوت بين البسيط والمُفجع، بين سرقةٍ عابرةٍ، وسلوكٍ مُقلقٍ، وحوادث تصلُ أحيانًا إلى ما هو أبعد من ذلك.

ومع كل ذلك، لا يجوزُ، ولا يصحُّ أنْ نُسقط ذنب تجربة، أو عشر تجارب، على فئة كاملة، فالتعميم ظلمٌ، والظلمُ لا يصنعُ حلولًا، بين هذه العمالة نساء جئن بحثًا عن حياة أفضل، وعن رزقٍ كريمٍ، وعن فرصةِ نجاة من فقرٍ قاسٍّ، وظروف قاهرةٍ.

لكن... إعادة فتح الملفِّ اليوم، ليست بدافع الانفعال، بل بدافع السُّؤال: هل الاستقدام من بعض الدول الإفريقيَّة هو الخيارُ الأوحدُ؟

هل تُراجَع بيانات هذه العمالة مراجعةً دقيقةً قبل الاستقدام؟

هل تُؤخذ الشَّكاوى السَّابقة، والملفَّات السلوكيَّة، والخلفيَّات النفسيَّة والاجتماعيَّة بعين الاعتبار؟

وهل هناك تقييمٌ دوريٌّ حقيقيٌّ من وزارة الموارد البشريَّة لطبيعة هذه الدول، واختلاف ثقافاتها، وتعقيداتها، وتأثيرها على بيئة الأسر؟

نحن لا نتحدَّث عن اتِّهام، بل عن مسؤوليَّة تنظيميَّة. بعض هذه العمالة تأتي من بيئات شديدة الفقر، بثقافات مختلفة، أحيانًا معقَّدة، وأحيانًا صادمة للأسرة المستقبِلة حتى التفاصيل اليوميَّة البسيطة، كالاستهلاك المُفرط للطعام، تحوَّلت في بعض البيوت إلى عبءٍ يفوقُ قيمة الرَّاتب نفسه، فضلًا عن الإشكالات السلوكيَّة والنفسيَّة.

القضيَّة هنا ليست خوفًا، ولا تهويلًا، القضيَّة هي: هل ما زالت آليَّات الاستقدام تواكبُ حجم التحدِّي؟

وهل الاكتفاء بالحاجة الاقتصاديَّة يُغني عن الفحص الإنسانيِّ والنفسيِّ والثقافيِّ؟

فتح هذا الملف من جديد ليس تراجعًا، بل ضرورة فالأمنُ الأُسريُّ، والطمأنينة داخل البيوت، لا تقلُّ أهميَّةً عن سدِّ النقص في العمالة.

* نقطة تحت السطر:

الاستقدامُ ليسَ أرقامًا تُستكملُ، بل بشرٌ يُدخلُونَ إلى البيوتِ... ومراجعةُ هذا الملفِّ اليوم، ليستْ خيارًا، بل مسؤوليَّة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store