Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاطمة آل عمرو

حين يصبح الاستقلال خيار المؤلف

A A
يُخيَّلُ للبعض أنَّ رحلة المؤلِّف تنتهي عند آخر جملةٍ في الكتاب، بينما الحقيقةُ أنَّ الطريقَ يبدأ فعليًّا بعد ذلك. فالمؤلِّفُ المستقلُّ لا يكتبُ فقط، بل يدخلُ في معركة صامتةٍ مع الطباعة والتَّوزيع والشروط التي تُفرض عليه، أحيانًا دون مراعاة لواقعهِ أو إمكاناتهِ.

من التجارب التي تستحقُّ التوقُّف، أنْ تشترط إحدَى المكتباتِ الكُبرى طباعة ألفِ نسخةٍ من كلِّ رُواية حتى يتم توزيعها، رغم علمها بأنَّ المؤلِّفَ لديه أكثر من عمل منشور. هذا الشَّرط، في ظاهرهِ تنظيميٌّ، لكنَّه في حقيقتهِ عبءٌ ماديٌّ كبيرٌ، خصوصًا حين يكون لدى الكاتب عدَّة مؤلَّفات، وعلى نفقته الخاصَّة، ما يجعل التَّكلفة مضاعفةً وصعبةَ التحمُّل.

الأكثر إرباكًا أنَّني، بدافع الفَهم لا الاعتراض، استفسرتُ من بعض المؤلِّفِينَ الذين وُزِّعت أعمالهم في المكتبة نفسها، وتبيَّن أنَّ التَّوزيع تمَّ بعددٍ لا يتجاوز مئتي نسخةٍ. وعندما طلبتُ طباعة العددِ ذاتِهِ لكل روايةٍ، لم أُقابَل بالرَّفض الصَّريح، بل بالتَّجاهل. وهنا لا تكمنُ المشكلة في القرار بحدِّ ذاتِهِ، بل في غياب الحوارِ والوضوحِ، وهما أبسطُ حقوق أيِّ مؤلِّفٍ، وكان لا بُدَّ من تعيين شخصٍ يحترم المؤلِّف، لا أنْ ينحازَ لآخرِينَ.

كنتُ أتمنَّى أنْ تدرك بعض المكتبات، أنَّ الكاتبَ ليس مجرَّد جهة توريد، بل شريكٌ في المشهد الثقافيِّ. وأنْ يتمَّ التَّعامل معه باحترامٍ يوازي الجهدَ الذي بذله في إنتاج عمله. فالكلمةُ لا تقلُّ قيمةً عن الرَّف الذي توضع عليه. أمام هذه المعادلة، لم يكن الاستقلال خيارًا، بل ضرورة. اخترتُ أنْ أعتمدَ على نفسي، والحمدُ لله، وفكَّرتُ بترجمة أعمالِي وإرسالهَا إلى الخارج؛ بحثًا عن مساحةٍ أوسعَ للانتشار، إلى جانب المشاركة في المسابقات الأدبيَّة. لم تكنْ هذه الخطوة سهلةً، لكنَّها منحتنِي شعورًا بالرِّضا، لأنَّني صنعتُ مساري بيدي.

ما نحتاجه اليوم، هو حلولٌ عمليةٌ تدعم المؤلِّفين، تبدأ بتوحيد تكاليف الطِّباعة، ووضع أنظمة واضحة تنظم نسب المؤلِّف لدى دور النشر، وتحفظ مستحقاته، بما يضمن وصول الأعمال إلى القارئ، دون شروط تعجيزيَّة. كما بات من الضروريِّ إعادة النَّظر في بعض الممارسات التي تستحوذُ فيها دورُ النَّشر على حقوق المؤلِّف، مقابل نسب لا تعكس حجم تعبه وجهده. فالمؤلِّف، في نهاية المطاف، ليس طالب فرصة، بل صاحب حقٍّ أصيل يستحق التقدير العادل. * من النافذة:

حينَ تُصانُ حقوقُ المؤلِّفِ، يصبحُ الإبداعُ أكثرَ حريَّةً.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store