ورد في حديث ثوبان -رَضِيَ اللهُ عنهُ- فيما يرويه ابنُ ماجة، أنَّ النبيَّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- قالَ: «لأَعلمَنَّ أَقوامًا مِن أُمَّتِي يَأتُونَ يَومَ القَيامَةِ بِحَسناتٍ أَمَثالِ جِبالِ تهَامةَ بيضًا فَيجعَلَهَا اللهُ -عزَّ وجلَّ- هَباءً مَنثُورًا» قالَ ثوبان: يَا رسولَ اللهِ صفهُم لنَا جلهُم لنَا أنْ لَا نكونَ منهُم ونحنُ لا نعلمُ، قالَ: «أَمَا إنَّهُم إخوَانُكُم وَمِن جِلدتِكُم ويَأخذُونَ مِن اللَّيلِ كمَا تَأخذُونَ وَلكنَّهُم أقوامٌ إِذَا خَلُوا بمحارمِ اللهِ انتهكُوهَا».
كثيرًا ما يستخدم الوعَّاظ هذا الحديث للتَّرهيب والتَّخويف من الوقوع في المعاصي السريَّة، وتهويل إثمها، وتعظيم عقوبتها؛ لدرجة تقنيط المذنبِينَ من رحمة الله، وهذا مِن أكبر الأخطاء المرتكبة في حقِّ هذا الحديث، رغم أنَّ صحَّة هذَا الحديث عندَ البعض من العلماء أنَّه حديثٌ ضعيفٌ، وإنْ كان هناك مَن يجعلهُ صحيحًا أو حسنًا لغيره، وأيًّا كانت درجة الحديث، إلَّا أنَّ هناك إجماعًا متَّفقًا عليه بينَ جميع العُلماء أنَّ مفهومه ليس كما يفهمُه ويقدِّمه الوعَّاظُ أنَّ المقصود به «ذُنوب الخلوات»، والحقيقة أنَّه لا يعني أبدًا «ذُنوب الخلوات»، وارتكاب المعاصي في الخَلوة أبدًا، إنَّما المقرُّ في فهمِه عند أهل العلم، أنَّه يقصد به المنافقِينَ الذين إذا خلُوا إلى أنفسهم ارتكبُوا المحرَّماتِ، وأتوا بالمعاصي العميقةِ المعنى التي لا تُرضِي اللهَ، ولَا رسولهُ، ثمَّ هُم بعد ذلك يظهرُونَ الأعمال الصالحة ويمارسُونَها رياءً أمام المؤمنِينَ؛ ليغطُّوا على تصرُّفاتِهِم في الخلوةِ والسرِّ.
إنَّ التحذير النبويَّ في الحديث -كما يوضِّح ذلك العلماءُ، ومنهم ابنُ باز، وابنُ عثيمين- إنَّما هو تحذيرٌ من الرِّياء والنِّفاق، إذ إنَّ المعصية في الجهرِ أو السرِّ سواءٌ، كما قالَ تعَالى (وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ)، إنَّ باب التوبة مفتوح لمن عمل معصية في الجهر أو السر حتى ولو تكررت ما دام أن المذنب يعقب ذنبه بالاستغفار والعودة الى الله، فالحديث ليس المقصود به ذُنوب الخلوات، والمعاصي السريَّة حيث إنَّ ذلك لا يتحقَّق عنه فتح باب القرب من الله، واستغفاره، والله أكبر من أنْ تحد رحمته وقبول عباده معصية في الجهرِ أو السرِّ، إن تاب العبدُ وأنابَ الى الله، فاللهُ غفورٌ رحيمٌ، صحيح أنَّ المعصية (الذَّنب) ذات شُؤم، ويُخشى على صاحبها من عقاب الله، سواء كانت جهريَّةً أو سريَّةً، إلَّا أنْ يستغفرَ صاحبُها ويتوبَ منهَا.


