Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

الشراكة السعودية - الألمانية.. آفاق جديدة في زمن التحولات الدولية

A A
تأتي زيارة دولة المستشار الاتحادي لجمهورية ألمانيا الاتحادية إلى الرياض في توقيت يعكس إدراك برلين المتزايد لأهمية المملكة على المستويين السياسي والاقتصادي، ووعياً بأن المنطقة تشهد تحولات دقيقة تتطلب التشاور المباشر مع القيادة السعودية. فالعلاقات بين البلدين كانت دائمًا في حالة تطوّر مستمر، وأكدتها اللقاءات المتتابعة بين القيادتين، بدءًا من لقاء خادم الحرمين الشريفين -حفظه الله- مع المستشارة الألمانية السابقة في عام 2019، ثم زيارة المستشار أولاف شولتس للمملكة في 2022، وصولًا إلى زيارة الرئيس الألماني في 2025. هذه الزيارة تأتي امتدادًا لذلك المسار وتطويرًا له، لا سيما في ظل المتغيرات السياسية والأمنية التي تحيط بالمنطقة.

تقدير برلين لسمو ولي العهد -حفظه الله- ودور المملكة المحوري بدا واضحًا في مستوى الزيارة وتركيزها على الملفات الاستراتيجية. فالمملكة اليوم لاعب رئيسي في التوازنات الإقليمية والدولية، وقوة اقتصادية مركزية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وعضو فاعل في مجموعة العشرين. وبالتالي، فإن حرص المستشار الألماني على زيارة الرياض يعكس رغبة في تنسيق أعمق للرؤى حول قضايا المنطقة والتحديات العالمية، وفي مقدمتها أمن الطاقة والتحولات التقنية والاقتصادية.

وفي الجانب الاقتصادي، تبرز ملفات التعاون بين البلدين كمسار واعد يجمع رؤية المملكة 2030 مع حاجة ألمانيا إلى شراكات موثوقة في مجالات الصناعة والطاقة النظيفة والتقنية المتقدمة. فالرياض وبرلين تبحثان آفاقًا واسعة تشمل الطاقة المتجددة، البتروكيماويات، التعدين، الرعاية الصحية، التحول الرقمي، الذكاء الاصطناعي، والبنية التحتية. ويأتي اجتماع الطاولة المستديرة السعودي – الألماني، الذي عُقد في فبراير 2025، ليعزز هذا الاتجاه ويرسّخ مسار الشراكة الاستثمارية والصناعية بين الجانبين.

من أبرز ركائز هذا التعاون مشروع “جسر الهيدروجين الأخضر السعودي ـ الألماني”، الذي يربط إنتاج المملكة للهيدروجين والأمونيا الخضراء بالطلب الأوروبي، وصولًا إلى تصدير 200 ألف طن سنويًا بحلول 2030. كما وقع البلدان مذكرة تعاون شاملة في مجال الهيدروجين النظيف، تشمل التوليد والمعالجة والنقل والتسويق، إضافة إلى تأسيس صندوق ثنائي للابتكار. كل ذلك يضع السعودية وألمانيا في موقع متقدم ضمن التحولات العالمية نحو الاقتصاد الأخضر.

ويتوسع التنسيق ليشمل تقنيات النقل الحديثة، إذ وقعت “مجموعة السعودية” صفقة لشراء 100 طائرة كهربائية من الشركة الألمانية “ليليوم”، وهي خطوة تعزز استراتيجية المملكة في النقل الذكي والخدمات اللوجستية المتقدمة. كما تتجه المؤسسات الاستثمارية السعودية نحو الاستحواذ على شركات ألمانية مبتكرة، مثل “هولون” للمركبات ذاتية القيادة، ما يعكس انتقال العلاقة من تبادل تجاري تقليدي إلى شراكة تكنولوجية وصناعية عميقة.

وفي البعد السياسي، تتقاطع مواقف الرياض وبرلين في عدد من القضايا، وعلى رأسها التأكيد على ضرورة إقامة دولة فلسطينية مستقلة كمسار أساسي لحل الأزمة في الشرق الأوسط، وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره والعيش بأمن وكرامة. كما يجري تنسيق مستمر في ملفات الأمن الإقليمي، واستقرار الممرات البحرية، والتعامل مع الأزمات القائمة في المنطقة من منطلق مسؤولية مشتركة تهدف إلى خفض التوتر وتعزيز الاستقرار.

وتحمل الزيارة رسائل واضحة للمجتمع الدولي، أبرزها أن المملكة أصبحت مركزًا لا غنى عنه للتشاور حول قضايا الطاقة العالمية، والتحول الأخضر، وأمن الإقليم. كما تظهر أن السعودية منفتحة على شراكات متوازنة مع القوى العالمية، سواء في الشرق أو الغرب، وفق رؤية استراتيجية تقوم على المصالح المتبادلة وتعزيز التنمية والاستقرار.

في المحصلة، تشكل زيارة المستشار الألماني إلى الرياض خطوة جديدة في بناء محور سعودي – ألماني فاعل في السياسة الدولية والاقتصاد العالمي. محور يستفيد من قوة المملكة المتنامية وتقدمها في مجالات الطاقة المتجددة والصناعة الحديثة، ومن قدرة ألمانيا التقنية والصناعية، لخلق نموذج تعاون قادر على مواكبة التحولات العالمية وصياغة مستقبل أكثر استقرارًا واستدامة للمنطقة والعالم.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store