المقصودُ من العنوان هو الخداعُ، والموضوعُ يستحقُّ الاهتمام؛ لأنَّه ينمو ويتطوَّر بطرق إبداعيَّة، وفي مجالات غير متوقَّعة. واليوم سأتناول أحد جوانبه الغريبة، وتأتينا من عالم العناصر الكيميائيَّة.
سأبدأها بعنصر الرصاص؛ لأنَّه أحد أوسع السُّموم انتشارًا، وله حكايات واسعة الانتشار، وقد قتل ملايين البشر عبر التاريخ بطرق غير متوقَّعة. لو دخل الجسم البشريَّ، فسيبدُو للخلايا البشريَّة كأنَّه عنصر الكالسيوم المسالم الضروري لصحَّة العظام. ومسار الرصاص بداخل الجسم يجعله يستقر على خلايا العظام، والأسنان، والخلايا العصبيَّة ليدمِّر، ويخرِّب، خلال فترات زمنيَّة تصل لسنوات.
وفي تاريخ التَّسمم بالرصاص نجد كوارث حضارات بأكملها، وعلى رأسها الحضارة الرومانيَّة، التي استخدمت الرصاص كأحد مكوِّنات تحلية النَّبيذ، واستخدمته أيضًا في أنظمة السِّباكة شاملة توزيع مياه الشرب. وأمَّا في العصر الحديث، فكان يستخدم كأحد الإضافات للبنزين؛ لرفع كفاءة الاحتراق لمدة أكثر من خمسين سنةً قبل انتشار البنزين الخالي من الرصاص. ولا توجد أرقام محدَّدة لضحاياه.
وأمَّا عنصر «الثاليوم»، فهو من أشد السموم التي تنتحل شخصيَّات عناصر غير مؤذية بداخلنا؛ لدرجة أنَّها تشتهر باسم «سم السموم» وهو على رأس تعريفات «السم الهاري». وإحدى صفاته أنَّه ينتحل هيئة البوتاسيوم المسالم بداخل أجسام الضحايا. «يتمسكن حتَّى يتمكَّن»؛ ليخرِّب الخلايا العصبيَّة بطرق بشعة. وللعلم، فهذا السم كان على رأس اختيارات الاغتيالات؛ لأنَّه بلا لون، ولا طعم، ولا رائحة، ويقتل بكميَّات ضئيلة جدًّا، من خلال تأثيراته الفتَّاكة على الجهاز العصبيِّ، ويصعب اكتشافه. وهناك أيضًا عنصر الزئبق الذي ينتحل هيئة الكبريت المسالم بداخل الجسم البشري؛ ليدمر البروتينات بداخل خلايا الضحايا بفعالية مخيفة. والمزعج هنا هو أن سمية الزئبق لم تدركها البشرية إلا في وقت قريب نسبيًّا. ولذا، فكان الزئبق يستخدم في الطلاء، وفي تنظيف الأمعاء... وفضلًا تخيَّل هذا الاستخدام المخيف.
ومن السموم التي تمارس التَّمويه بطرق مخيفة هي عنصر الكادميوم، وكان أحد مخرجات عمليَّات التعدين منذ أكثر من مئة سنة حول العالم. هذا السم يدخل الجسم من خلال مياه الشرب، أو المأكولات النباتيَّة، من خلال الأسمدة. ينتحل هيئة عنصر الزنك المسالم الضروريِّ للحياة، فيدمِّر الانزيمات، ويتسبَّب في هشاشة العظام، ويُسبِّب الآلام بطرق قاسية، وغالبًا ما تكون بطيئةً جدًّا. ولكن هناك بعض العناصر الكيميائيَّة التي تمارس التَّمويه بداخل الأجسام لتستقر بفوائد كثيرة، وبدون دراما، وفي ذلك نعمة كبيرة -ولله الحمد-. وأخصُّ بالذِّكر عنصر التيتانيوم. سبحان الله إنَّ أجهزة الجسم البشريِّ الدفاعيَّة لا تعتبره من الأجسام الغريبة، فلا ترفضه، ولا تمانع وجوده، حتَّى ولو كان بأحجام غليظة. يستخدم في تقنيات زراعة الأسنان، وفي المسامير التي تستخدم في تثبيت فقرات العامود الفقريِّ، وفي الركب الصناعيَّة، وغيرها من الاستخدامات بداخل الأجسام البشريَّة. أمنيـــــــة
هناك ما هو أخطر من كلِّ ما ذُكر أعلاه، فالعناصر السامَّة ليست لديها نوايا شر، وأضرارها ليست مقصودةً مهما كانت مضرَّةً ومُضلِّلةً. ولكن في عالم البشر نجد التَّمويه المقصود المقرون بالضَّرر، وبالذات في قتل الأبرياء كما نرى في الحرب على أهالي غزَّة. أتمنَّى أنْ نفلح في مقاومة هذه الممارسات الخبيثة بأشكالها وألوانها المختلفة... والله يقينا شرورها، وهو من وراء القصد.


