Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

التأزم في تاريخ الحضارة الغربية.. الحاضر والمستقبل

A A
نظَّم البرنامجُ الثقافيُّ والإعلاميُّ بمركز الخليج للأبحاث، لقاء الطاولة المستديرة بعنوان: (التأزُّم في تاريخ الحضارة الغربيَّة)، باستضافة المفكِّر الدكتور سعد البازعي، وبحضور الدكتور عبدالعزيز بن صقر رئيس مركز الخليج للأبحاث، الذي يركِّز دائمًا على أنَّ الثَّقافة هي الدبلوماسيَّة النَّاعمة في التَّعامل مع العالم.

‏المناقشة، كانت خلاصةً لكتاب المفكِّر البازعي، والذي شرع في إعداده منذ الثمانينيَّات من القرن الماضي؛ لأنَّ القضيَّة مطروحةٌ في الغرب نفسه من عدد من المفكِّرين، ومنهم إدوارد سعيد، وإدموند هوستو، وبول هزار. وعرَّف البازعي الأزمةَ بأنَّها انهيارُ القِيَم والمعايير، وحلول الانحدار الثقافيِّ في الغرب، والمعنى الآخر، انتشار حالة من (اللا يقين)، التي تؤدِّي إلى اضطرابٍ، أو خللٍ.

‏الكتابُ شمل تتبُّعًا للحياة من العصور الوسطى حتَّى عصر النهضة، وإلى القرن الحادي والعشرين، وكيف أُرِّخت العلوم بمنجزات أوروبا، والأُمم الأُخْرى..

ومع ذلك فإنَّ الفيلسوف الفرنسي إدجار موران يؤكِّد على أنَّ المعرفة لا تجعلنا أفضل في الصناعة والعلم، ولا أفضل حالًا مقابل التَّربية التي تساعد المرء أنْ يكونَ أفضلَ. وطرح البازعي أسماء مفكِّرين وفلاسفة بأوروبا، وعقد مقارنةً بينهم حول (علم الأزمة)، واللَّحظات التي عاشت فيها الحضارةُ الغربيَّةُ مراحل التَّأزُّم والتَّديُّن والتَّغيير الهائل منذ العصور الوسطى وحتَّى اليوم، والموقف من الأديان الأُخْرى بين أزمة الذَّات وأزمة الآخر، وظهور الفِرَق الدِّينيَّة المناهضة لبعضها، والصِّراعات التي دارت، والحرق والتَّعذيب، والمرحلة الأُخْرى في العصر الحديث، وانسلاخ أوروبا عن الدِّين، حتَّى على مستوى النُّخب الفكريَّة.. ركَّز البازعي على آراء الفلاسفة المفكِّرين الأوروبيِّين والغيبيَّات، ومنهم هورك هايمر، الذي يرفض الدِّين بالمعنى الميتافيزيقيِّ، ولكنَّه يكتب عن (التَّوق) أو الحَنين.. ومفكِّرون آخرُون أثبتُوا حاجة النَّاس للدِّين، وظهور فكرة كتاب (الحاجة المذهلة للاعتقاد)، فحتَّى فرويد قال: (إنَّ لديَّ هذه الحاجة للاعتقاد).. وكانت هناك مداخلات ثريَّة تدورُ حول مثاليَّة الحضارة الأوروبيَّة، وأنَّها قدَّمت العلمَ مقارنةً بالفكرِ الشيوعيِّ، أو الماركسيِّ، وأنَّها انتهت؛ بسبب طغيان الرأسماليَّة، وإغلاق الفكر حتَّى في الجامعات.

(الشكُّ) حول الحضارة الغربيَّة أصبح (يقينًا) عند كثيرٍ من الغربيِّين؛ ممَّا يؤكِّد على أنَّ الأزمة تشمل السياسة والثَّقافة والنُّظم التعليميَّة، والتَّغيُّر التكنولوجيَّ، ومنها الذكاء الاصطناعي ومخاطره الكُبْرى في أزمة الفكر الغربيِّ، وأهميَّة ضبط البوصلة بين المسؤوليَّة والحريَّة، وبين العدالة والقانون الدوليِّ، وغيرها من المبادئ.

‏وأكَّدت مداخلة الدكتور مصطفى المرابط من إسبانيا؛ على أنَّ الحداثة هي أحد أهم مظاهر التَّأزُّم في الفكر الغربيِّ، وعدم قدرته على إنتاج المعنى والقِيم؛ ممَّا أدَّى إلى تفكُّك الأُسْرة.

وقد كان اللقاءُ دسمًا بكل المعايير، ومن وجهة نظري إنَّ أزمة الحضارة الغربيَّة في الحاضر، هي أزمة انفلات المبادئ الأخلاقيَّة، وفوضى قيميَّة، ومنها ما ظهر في اتفاقيَّة (سيداو)، التي في ظاهرها القضاء على جميع أشكال التَّمييز ضد المرأة؛ ولكن في باطنها حريَّة غير متوافقةٍ مع الإنسانيَّة. ‏إن أزمة الحاضر الغربي، هي سقوط الديمقراطية الزائفة، وحقوق الإنسان، والعدالة التي يدعونها، فالقوانين الدولية أضحت لا قيمة لها، ولا تنفذ، كما رأينا في إبادة وتجويع شعب غزَّة، كما أنَّ طرد طلاب الجامعات المتظاهرِين أكبر دليل على سقوط الغرب في وحل (أزمة اللا ديمقراطيَّة)، وما طغى مؤخَّرًا في فضيحة (جيفري إبيستين) وجزيرته القذرة، في استغلال القاصرات لجرائم جنسيَّة، كل ذلك تقويضٌ تامٌّ للحضارة الغربيَّة.

‏أمَا آنَ الأوانُ أنْ يقومَ مفكِّرُو العالم الإسلاميِّ بطرح المشروع الحضاريِّ الإسلاميِّ كنموذجٍ قويٍّ، وفرصةٍ سانحةٍ لنُقدِّم حضارتِنَا؛ لمواجهةِ مشروعاتِ صِدامِ الحضاراتِ، خاصَّةً ولدينَا مراكزُ للحوارِ العالميِّ في دولٍ متعدِّدةٍ، ونملكُ كلَّ المقوِّماتِ الحضاريَّةِ؟.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store