شهدت كرةُ القدم السعوديَّة، خلال الأعوام الأخيرة، تحوُّلًا جذريًّا، مع إطلاق برنامج استقطاب اللاعبِينَ الأجانب، الذي استهدَف جذب أسماء عالميَّة بارزة إلى الدوري المحليِّ. وقد قُدِّم هذا البرنامج بوصفه مشروعًا يتجاوز البُعد الرياضيَّ؛ ليخدم أهدافًا أوسعَ تتَّصلُ بتعزيز صورة المملكة دوليًّا، وتنشيط السِّياحة، وجذب الاستثمار، ضمن مسار متكامل لتوظيف أدوات القوَّة النَّاعمة. البرنامجُ نجحَ -دون شكٍّ- في لفت أنظار العالم، عبر استقطاب نجومٍ بحجم كريستيانو، وبنزيما، وكانتي، ومحرز، وغيرهم، حيث أسهم حضورُ هؤلاء في رفع نسب المشاهدة العالميَّة، ووضَع الدوري السعوديَّ في دائرة الضوءِ الإعلاميِّ الدوليِّ. غير أنَّ هذا النجاح، على أهميَّته، يظلُّ سيفًا ذا حدَّين، إذا لم يُدَرْ بمهنيَّة وشفافيَّة، ويُقَسْ أثره ونتائجه بمعايير علميَّة واضحة، تتجاوز مجرَّد الاكتفاء بمقاييس الزَّخم الإعلاميِّ، والتَّحليلات العاطفيَّة والرغبويَّة. فحتَّى اليوم، لا تتوافر لبرنامج الاستقطاب أيُّ بيانات تقييم معلنة مستقلَّة تقيس نتائجه وأثره المتحقِّق رياضيًّا، وجماهيريًّا، وعلى مستوى الصورة الذهنيَّة.. وهذا الغياب لا يفتح أبواب التَّساؤل فحسب، بل يجعل المراجعة أمرًا حتميًّا لا غنَى عنه.
فعلى الجانب الرياضيِّ، تسمح اللوائحُ بمشاركة ثمانية لاعبين أجانب في المباراة الواحدة، وهو رقمٌ يؤثِّر على فرص اللاعب السعوديِّ وتطوُّره، لا سيَّما في المراكز المؤثِّرة، بكل ما يحمله ذلك من انعكاسات على جودة المنتخب الوطنيِّ ونتائجه، والمنتخبُ في نهاية المطاف، هو المؤشِّرُ الأصدقُ والأدقُّ على صحَّة المنظومة الكرويَّة، وتحقيقها لأهدافها.
وعلى جانبٍ آخرَ، هناك العامل الأكثر حساسيَّة في المعادلة، وهو الجمهور، فالجمهور ليس عنصرًا هامشيًّا في صناعة الرياضة، بل هو ركيزةُ تلك الصناعة وقاعدتها الأساسيَّة (grassroots). وما يلفت الانتباه اليوم، أنَّ حالة عدم الرِّضا لا تقتصرُ على جماهير نادٍ بعينه، بل تمتدُّ -بدرجاتٍ متفاوتةٍ، وغير معهودةٍ- إلى جماهير معظم الأندية. فهناك شعورٌ متنامٍ لا تخطئُه العينُ، يردِّد مقولة أنَّ برنامج الاستقطاب يُدارُ دون معاييرَ واضحةٍ للعدالة التنافسيَّة، ودون تواصل شفَّاف ومُقنع يشرح منطق القرارات، ويُجيب على التَّساؤلات المُثارة التي تُوصف بعضُها بالألغاز.. ووفق منطق القوَّة النَّاعمة، فإنَّ جمهورًا حائرًا وغير مقتنعٍ، لا يمكن أنْ يُعوَّل عليه؛ ليكون ناقلًا إيجابيًّا للصورة الخارجيَّة، مهما بلغت الميزانيَّات، والحملات الإعلاميَّة.
ومن النتائج غير المرغوبة، التي لا يمكن تجاهلها أيضًا، الأثر الإدراكي العالمي لضخامة بعض مبالغ التَّعاقدات، التي يتردَّد أنَّها تفوق القيمة السوقيَّة الحقيقيَّة للاعبِينَ بعدَّة أضعاف. وبغضِّ النَّظر عن دقَّة هذه التَّقديرات، فإنَّ الصورة التي تُرسِّخها باتت تُعيد إنتاج سرديَّة قديمة؛ تربط الخليج بالمال والنفط، لا بالمشروع الرياضيِّ والتنمويِّ، وهي صورة مُجحفة ومخالفة للواقع، ولا تخدم الرسالة التي تقدِّمها المملكةُ بتميُّز، بوصفها دولةً تستثمرُ في الإنسان، وصناعة التجربة، والتطوُّر، والإبداع.
صحيح أنَّ زيادة المشاهدات العالميَّة أمرٌ هامٌّ، لكنَّ السُّؤال الجوهريَّ هو: هل تُنتج هذه المشاهداتُ سردًا إيجابيًّا ومستدامًا، أم مجرَّد اهتمامٍ عابرٍ مرتبطٍ بالأسماء؟ ويزداد هذا السُّؤال إلحاحًا مع بروز ممارسات وتصريحات مرفوضة من لاعبين مُستَقطَبِينَ، تنتج عنها تغطيات إعلاميَّة دوليَّة، تتناقض كليًّا مع الأهداف التي تم استقطابُهم لأجلها.
الخلاصة، أنَّ الدَّعوة إلى مراجعة شاملة لبرنامج استقطاب اللاعبين الأجانب؛ باتت ضرورة لا تحتمل التأجيل.. مراجعة تعيد التوازن المفقود بين النجم المستقطب واللاعب المحلي، وبين المنطق الاستثماريِّ وعدالة المنافسة، وبين الحوكمة الشفَّافة ومتطلَّبات القوَّة النَّاعمة.. فالقدرة على تصحيح المسار، أو حتى إلغائه -إنْ لزم الأمرُ- ليست اعترافًا بإخفاقٍ، بل دليلُ نضجٍ في إدارة الطُّموح الوطنيِّ.


