Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

من مقعد السائق العالق بجدة

A A
لم يكنْ مساءُ جدَّة في نهاية الأسبوع الماضي مختلفًا في شكله، لكنَّه كان مختلفًا في شعوره، الطُّرقُ والإشاراتُ ذاتُها، ولكنَّ المدينة بدت وكأنَّها تتوقَّف فجأةً عن التنفُّس؟! من بعد الخامسة مساءً، بدأتِ الخرائطُ تحمرُّ، لا كتحذير عابرٍ، بل كحالةٍ عامَّة، ازدحام غير مألوف، واختناق لم يكن له سببٌ مباشرٌ يمكن الإشارة إليه بإصبعٍ واضحٍ.

الدَّهشة لم تكنْ في الازدحام نفسه، فجدَّة تعرف الزحام، كما تعرف البحر، الدَّهشة كانت في توقيته وحِدَّته واتِّساعه، أسئلة تتناقلها «القروبات»، وصور للخرائط تُرسل أكثرَ ممَّا تُفسَّر، وكأنَّ الجميعَ يحاول أنْ يفهم: ماذا حدث هذه المرَّة؟!

نعرفُ ولا نغفلُ أنَّ جدَّة مدينة مشروعات.. حفريَّات، بنى تحتيَّة، مخطَّطات جديدة، وتوسُّع لا يتوقَّف، وأنَّ نهاية الأسبوع مزدحمة بطبيعتها، وما تحفل به من الأنشطة والفعاليَّات، وأنَّنا على أعتاب رمضان، ثُمَّ العيد، ومعهما حركة بشريَّة وسياحيَّة متوقَّعة كل ذلك مفهوم... ومعتاد.

لكنْ ما حدث لم يكنْ ازدحامًا «مفهومًا»! بقدر ما كان ازدحامًا مباغتًا، كأنَّ المدينةَ دخلت الذروة دون أنْ تتهيَّأ لها، اللَّافت وربَّما المُثير للتأمُّل، أنَّ جدَّة تعرفُ كيف تُدار في الصباح فترات الذروة الصباحيَّة، خصوصًا في محاور رئيسة مثل طريق الحرمين، تُدَار بانضباط لافت: تحديد أوقات مرور الشَّاحنات، تنظيم المسارات، وتقليل المفاجآت، نصل إلى أعمالنا متأخِّرِينَ أحيانًا، نعم، لكنَّنا نعرفُ لماذا؟

ونعرفُ إلى متى؟

أمَّا المساءُ، فله مزاجٌ آخرُ، مزاجُ مدينة تعود إلى نفسها دفعةً واحدةً: موظَّفون، طُّلاب، متسوِّقُون، فعاليَّة هنا، مناسبة هناك، وزائر لا يعرفُ الطُّرق كما يعرفُها أهلُها، كلُّهم يخرجُون في توقيتٍ متقاربٍ دون أنْ يُدار هذا الخروج بنفس الصَّرامة التي يُدَار بها الصَّباح.

وهنا، لا بُدَّ من الإنصاف. رجال المرور حاضرُون، ويتعاملُونَ مع اللَّحظة بما تتيحه اللَّحظة، ويؤدُّونَ أدوارًا مقدَّرةً في ظروف ليست سهلةً، لكنَّ الازدحام في جوهره ليس دائمًا أزمة «إدارة ميدان»، بل أزمة توقُّع مُسبق.

المدينة لا تختنقُ فجأةً، هي ترسل إشارات مبكِّرة، لكنَّنا أحيانًا لا نقرأها في الوقت المناسب، وربَّما من المهم هنا التَّفريق بين الحلول بعيدة المدى، وهي مطروحةٌ وتُنَاقَش وتُدرَس، وبين ما يمكن فعله الآن، في لحظة الذِّروة؛ لتخفيف الاختناق، لا لإلغائه.

فالمشهدُ الأخيرُ يقول إنَّ المدينة تحتاجُ -على الأقل- إلى إجراءاتٍ عاجلةٍ، من بينها: إدارة الذِّروة المسائيَّة زمنيًّا، كما يُدَار الصَّباح، عبر تنظيم حركة بعض المركبات الثَّقيلة في المحاور الحيويَّة، تقليل إغلاق المسارات المتزامن في ساعات الضَّغط، وتأجيل ما يمكن تأجيله من أعمال مؤقَّتة إلى خارج الذِّروة.

تعزيز الوجود الميدانيِّ الاستباقيِّ قبل بدء الذِّروة، لا بعد «الاختناق»، خصوصًا عند التقاطعات المعروفة بحساسيَّتها، تنظيم الحركة حول الفعاليَّات والمناسبات بإجراءاتٍ واضحةٍ ومعلنةٍ مسبقًا، تقلِّل عنصر المفاجأة على السائقِين، توجيه الحركة بذكاءٍ لحظيٍّ عبر التنبيهات والإرشاد، لا بعد أنْ يتحوَّل المسارُ إلى كتلةٍ صامتةٍ، هذه ليست حلولًا نهائيَّة، ولا تدَّعي معالجة الجذر، لكنَّها إجراءات تُخفِّف الأثر، وتمنح المدينة فرصةً لالتقاط أنفاسها في أوقات الضَّغط، جدَّة مدينةٌ حيَّةٌ، نابضةٌ، ومحبوبةٌ. لكنَّ المدن مثل البشر، حين يُطلَب منها أنْ تفعل كلَّ شيءٍ في الوقت نفسه، تتعب. تحت السطر:

الزحامُ لا يقولُ لنَا: إنَّ الطُّرق ضاقتْ...

بلْ يقولُ: إنَّ الوقتَ لم يُدَرْ بعدْ كمَا يجبُ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store