Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد المرواني

السيرة النبوية.. والإعلام الحديث

A A
المدينة المنوَّرة، عاصمةُ الإسلام الأُولَى، ومهاجرُ سيِّد البشر محمَّد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ومسجده الشَّريف، وقبره الطَّاهر، تهفُو إليها أفئدةُ المسلمِينَ في كلِّ مكان. فهي الأرض التي خطا عليها النبيُّ الكريمُ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، فصار كلُّ موضعٍ فيها شاهدًا على تاريخٍ يروي سيرته العطرة، وكلُّ موضع وطأته قدم النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- محلَّ اهتمامٍ للباحثِينَ والمؤرِّخِينَ، بدعمٍ من حكومتنا الرَّشيدة، التي عملت على إبراز الوجه الحضاريِّ والتاريخيِّ لمدينة المصطفَى -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-. أصبح القادمُون إلى المسجد النبويِّ؛ للصَّلاة، وزيارة الرَّوضة الشَّريفة، يتطلَّعُون بشغفٍ إلى التعرُّف على آثار السِّيرة في أرجاء المدينة؛ محبةً وارتباطًا بكلِّ ما تركه النبيُّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- في طَيبة.

بل إنَّنا -نحن الذين تقدَّم بنا العمرُ- كُنَّا نجهلُ كثيرًا من معالم مدينتنا، فإذا بها اليوم تُبعث من جديد أمام أعيننا، بعد أنْ بقيت الأحاديثُ النبويَّةُ شاهدةً عليها، رغم غياب توثيقها الميدانيِّ لسنواتٍ طويلةٍ. واليوم، يشعرُ كلُّ مَن تطأ قدماه المدينة المنوَّرة براحةٍ، خاصَّةً وهو يرى ما أُعيد إحياؤه من مواقع مرتبطة بسيرة الرَّسول -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-.

كما كان لوسائل التَّواصل الاجتماعيِّ دورٌ بارزٌ في التَّعريف بهذه المواقع التاريخيَّة، بدعمٍ من إمارة منطقة المدينة المنوَّرة، والجهات المختصَّة بالسِّياحة والتُّراث، إلى جانب المتحف الإسلاميِّ الكبير، المجاور للمسجد النبويِّ، ومشروع طريق السُّنَّة، الذي يُنتظر أنْ يرى النور قريبًا، ليُجسِّد خطوات الهجرة، ويُخلِّد الحدث الذي غيَّر مجرى التاريخ.

ومن أبرز الجهود كذلك، ما قامت به أمانة المدينة من ربط المسجد النبويِّ بأوَّل مَسجدٍ أُسِّسَ عَلَى التَّقوَى -مسجد قباء- عبر ممشى السُّنَّة، وهو من أجمل المشروعات التي وثَّقت جانبًا حيًّا من السِّيرة النبويَّة على أرض الواقع. وفي المقابل، ما زالت بقايا عقليَّاتٍ تقليديَّة عالقة في زمنٍ تجاوزه الإعلامُ الحديثُ، تهاجمُ وسائل التَّواصل الاجتماعيِّ بعجزٍ واضحٍ عن فهم أدواته أو تأثيره، ويتصدَّر المشهد فيها «صُوَيِّر وعُوَيِّر» ممَّن لم يقدِّموا معرفةً، ولا تاريخًا، ولا إسهامًا يُعتدُّ به، سوى ضجيجٍ فارغٍ، ومحاولاتٍ مستمرَّة لتقزيم كلِّ عملٍ جادٍّ. هذه الأصوات التي اعتادت الوصاية على المشهد، لم تعد تملك سوى التَّشكيك؛ لأنَّها فَقَدَت قدرتها على الحضور الحقيقيِّ. ومع ذلك، تبقَى الحقيقة أقوى من ضجيجهم، فالساحة، رغم ما فيها من مشاهير بلا أثر، تزخرُ -أيضًا- بنماذج واعية نقلت تاريخ المدينة، وسِيرة النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- إلى العالم بلغة العصر، وبقوة التَّأثير، ومنهم ممَّن قدَّموا محتوًى صادقًا ومثمرًا، مثل سلطان المرواني، ونايف الأحمدي، وعبدالرحمن البوشي، وغيرهم الكثير. ماذا بقي؟!..

بعد توثيق مسار هجرة النبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، يظلُّ هناك مسارٌ تاريخيٌّ آخرُ جديرٌ بالعناية، وهو طريق غزوة العُسرة (غزوة تبوك)، ذلك الحدث العظيم الذي هزَّ أركان القوى الكبرى -آنذاك-. وعلى امتداد الطريق مرورًا بالعُلا، توجد مواقع تاريخيَّة تحتاج أيضًا إلى توثيقٍ، نأملُ أنْ ترى النُّور قريبًا ضمن مشروعات العناية بالسِّيرة.

* خاتمة:

ليس هناك أعظم من سيرة خاتم الأنبياء محمد -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-، وكل مسلم يتمنى أنْ يراها حاضرة على أرض الواقع، حيةً في وجدان الأجيال. ومع الرؤية الطموحة والجهود المتواصلة، فإنَّ تحقيق ذلك لم يعد بعيدًا، بل أصبح مشروعًا يتقدَّم بخطى واثقة نحو المستقبل.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store