Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد الظفيري

لماذا الإصرار على نشر الفوضى؟

A A
تتزايد الأسئلةُ في أروقة السياسة الدوليَّة مع تصاعد التقارير التي تشير إلى تمويل دولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة لمعسكر تدريب تابع لقوات الدَّعم السَّريع في إثيوبيا. وفي وقتٍ تتعمَّق فيه المأساة السودانيَّة، يبرز سؤالٌ أخلاقيٌّ وسياسيٌّ مُلحٌّ: ما جدوى الاستمرار في دعم الفوضى في بلدانٍ يقتلُ شعوبَها الجوعُ والفقرُ والاقتتالُ؟.

ما يجري في السودان لا يُختزَل في توصيف تقليديٍّ لصراع سياسيٍّ عابر. المشهد أقرب إلى تحرُّك قوَّات منشقَّة تسعى إلى فرض سيطرتها بقوَّة السلاح، خارج إطار الدولة ومؤسساتها، وقد وجدتْ مَن يُموِّل طموحاتِها التخريبيَّة، ويُوفِّر لها غطاءً سياسيًّا، وإمدادًا لوجستيًّا. هذا الدَّعم الخارجيُّ، إنْ ثبتت معطياتُه، يُحوِّل الأزمة من تمرُّد مُسلَّح؛ إلى مشروع تفكيك دولة.

كل معسكر تدريب خارج الحدود يعني جولةً جديدةً من القتال داخل المدن والقرى. كلُّ دعم ماليٍّ، أو عسكريٍّ يمنح هذه القوَّات قدرةً أكبرَ على التمدُّد، ويقود إلى مزيدٍ من النُّزوح والدَّمار. السودان اليوم يدفع ثمن معركة تُخَاض على أرضه، بأدوات عابرة للحدود، بينما المدنيُّون يقفُونَ في الصُّفوف الأُولَى للمعاناة.

في واشنطن، أعلن عضو الكونغرس الأمريكي غريغوري ميكس، عزمه مواصلة تعليق صفقات مبيعات الأسلحة الأمريكيَّة الكُبْرى؛ إلى دولة الإمارات العربيَّة المتَّحدة، وأيِّ دولة تدعم قوات الدَّعم السَّريع، أو غيرها من الأطراف المقاتلة. هذا الموقف ينسجمُ مع توجُّهات داخل لجنة الشؤون الخارجيَّة في مجلس النواب الأمريكيِّ، حيث صدرت تصريحات تعبِّر عن قلق متزايد من أدوار خارجيَّة تُسهم في إطالة أمد النزاع، وتقويض فرص الاستقرار.

كما شدَّدت عضوات وأعضاء في الكونغرس على أنَّ استمرار تدفُّق السلاح والتَّمويل إلى قوات منشقَّة؛ يُعقِّد أيَّ مسار سياسيٍّ، ويُضعف مؤسسات الدولة السودانيَّة، ويفتح الباب أمام مزيد من التشظِّي الأمنيِّ. فكيف يمكن استعادة هيبة الدولة، بينما تُضخُّ الموارد في كيانات مسلَّحة تعمل خارجها؟، وكيف يُطلَب من السودانيِّين الثِّقة بمستقبلهم في ظلِّ رهان خارجيٍّ على قوى موازية؟.

الأزمة الإنسانيَّة في السودان بلغت مستويات كارثيَّة. ملايين المواطنِينَ يواجهُونَ خطر المجاعة، وانهيار الخدمات الصحيَّة، وتفكُّك البنية التحتيَّة. أي دعم عسكريٍّ إضافيٍّ لقوات تعمل على تقويض الدَّولة، يعني عمليًّا توسيع رقعة الجوع والخوف، وتعميق مأساة شعب أنهكته سنوات من الاضطراب.

الولايات المتحدة تملكُ أدوات ضغط مؤثِّرة عبر منظومة مبيعات السلاح والعلاقات الإستراتيجيَّة. تعليق الصَّفقات يبعثُ برسالة سياسيَّة مفادها أنَّ دعم الكيانات المسلَّحة الخارجة عن مؤسَّسات الدَّولة سيترتَّب عليه ثمن دبلوماسيٌّ واقتصاديٌّ. كما أنَّ الدَّفع نحو إخراج جميع الأطراف الخارجيَّة من ساحة النِّزاع، يُمثِّل خطوةً أساسيَّةً لتهيئة بيئة تُعيد القرار إلى الداخل السودانيِّ.

يبقى السؤال الأهم موجَّهًا إلى كلِّ مَن يرَى في الفوضى ورقة نفوذ: هل يحقِّق تمويل قوات منشقَّة استقرارًا مُستدامًا؟ أم يفتح أبوابًا لفوضى ممتدَّة تهدِّد الإقليم بأسره؟، التجارب القريبة تؤكِّد أنَّ الرهان على جماعات مسلَّحة خارج إطار الدَّولة ينتهي غالبًا بتفكُّك مؤسسات الحكم، وامتداد الأزمات عبر الحدود.

السودان يحتاج إلى دعم يعزز مؤسسات الدولة، ويوجه الموارد نحو الإغاثة وإعادة البناء، ويمهد لحوار وطني شامل. أما الاستثمار في طموحات تخريبية، فنتيجته مزيد من الدم، ومزيد من الجوع، ومزيد من الأسئلة التي ستلاحق كلَّ مَن أسهمَ في إطالة أمد هذه المأساة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store