Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاتن محمد حسين

المبتعثون.. أين يذهب العلماء والخبراء منهم؟!

A A
كتبتُ موضوعًا بعنوان: أين برنامج (وظيفتك وبعثتك) من التَّطبيق؟! وتساءلتُ عن أسباب تأخُّر بعض المبتعثِينَ في الحصول على الوظائف المناسبة لتخصصاتهم، بل اصطف بعضهم مع العاطلِينَ عن العمل!! بالرغم من حصولهم على درجة عُليا في تخصُّصات نادرة، مثل تقنية المعلومات، وعلم البيانات والذكاء الاصطناعيِّ. فالسعوديَّة بالرغم من أنَّها الأُولَى عالميًّا في مؤشر الأمن السيبرانيِّ، وفقًا للتقرير السنويِّ للتنافسيَّة العالميَّة للتنمية الإداريَّة في سويسرا، إلَّا أنَّها الخامسة عالميًّا في مؤشر الذكاء الاصطناعيِّ، وهي التاسعة عالميًّا في مجموعة العشرين في المجال الجيومكانيِّ.

ومع ذلك لا زال التوظيف لعباقرة التقنية محدودًا، وربما لم يُستغل بصورةٍ جيدةٍ، حيث إنَّ بعض الجهات تشترط على بعضهم التَّوظيف بالبكالوريوس، أو الماجستير؛ لأنَّ درجة الدكتوراة مُكلِّفة على المنظَّمة، ناهيك ممَّن لديهم خبرات واسعة!! فيقبلُونَ ممَّن هم أقل درجة علميَّة، وأقل خبرة في المجال لخفض الرواتب، وهذا مبرر لا يتناسب مع متطلَّبات المملكة لتحقيق أهدافها العُليا حسب رُؤية 2030م؛ ممَّا يتطلَّب تدارك الأمر ‏من الجهات المختصَّة.

بل المشكلة الحقيقيَّة، حتَّى ممَّن لديهم خبرة واسعة في المجال، وتتلقَّفهم الشَّركات الكُبْرى في الخارج، وهم لا زالوا بمرحلة الدراسة؛ لأنَّها تأكَّدت من أهميَّة دراستهم في تحقيق أهداف كُبرى لهم ولدولتهم.. وكمثال على ذلك، حصول أحدهم على درجة الدكتوراة في علم البيانات، حيث مع التوسُّع الهائل في البيانات الضَّخمة، وتزايد الاعتماد على الحوسبة السحابيَّة، وقواعد البيانات الموزَّع؛ أصبح تعلُّم البِنى الاحتماليَّة مثل الشبكات البايزية على نطاق واسع؛ تحدِّيًا حسابيًّا كبيرًا، حيث يتطلَّب الأمر المرور على كميَّات ضخمة من البيانات المخزَّنة عبر عُقد متعدِّدة في بيئات سحابيَّة، هنا يبرز دور البحث العلميِّ في تطوير أدوات قادرة على تحويل هذا الكم الهائل من الأرقام إلى معرفة قابلة للاستخدام، وهي نماذج ذكيَّة تسمح بفهم العلاقات الاحتماليَّة بين المتغيِّرات، والتنبؤ بالنتائج في مجالات حيويَّة مثل الطبِّ، والاقتصاد، والأمن السيبرانيِّ، والأنظمة الذكيَّة.. كما أنَّ التغلُّب على التحدِّي الحقيقيِّ لا يكمن في بناء النموذج فقط، بل في تعلُّمه من البيانات. فعمليَّة التعلُّم الهيكليِّ تتطلَّب حساب ما يُعرف بدرجات التَّقييم؛ لتحديد أفضل شكل للعلاقات داخل الشبكة. ويصبح هذا الحساب يمر عبر ملايين أو مليارات من السجلات المخزَّنة في عقد مختلفة داخل الكلاود، وهذه مهارات علميَّة تحتاجها جميع الوزارات في إدارة البيانات، وخاصَّةً وزارة الحجِّ والعُمرة، ووزارة الداخليَّة؛ لاستيعاب كم هائل من بيانات المواطنِينَ والمقيمِينَ وغيرهم، ومن هنا تنبع أهميَّة هذه الدارسات البحثيَّة الحديثة لتلاقيها مع الذكاء الاصطناعيِّ الاحتماليِّ. وهذا التلاقي العلمي يعمل على إعادة تعريف طريقة تعاملنا مع المعرفة في عصر البيانات وهندسة البرمجيَّات، عبر أنظمة أكثر قابليَّة للتوسُّع.

الجميل أنَّني قرأتُ إعلانًا من وزارة التعليم عن برنامج الابتعاث في الذكاء الاصطناعيِّ، وأنَّه يسهم في بناء قدرات وطنيَّة مميَّزة عالميًّا، تساهم في تحقيق المستهدَفات الإستراتيجيَّة الوطنيَّة في علم البيانات، والذكاء الاصطناعيِّ.. ومن أهدافه سد الفجوة في الكفاءات الوطنيَّة المؤهَّلة في مجالات البيانات والذكاء الاصطناعيِّ، وتوجيه الأبحاث نحو التحدِّيات الوطنيَّة، وتوطين وظائف علم البيانات.

والسؤال: لماذا لا يتم حصر الطلاب في هذه التخصصات النادرة أثناء الدراسة، والاستفادة منهم بالتعاقد معهم قبل أنْ تتلقفهم المنظمات في دول ابتعاثهم، ويتم الاستفادة منهم في وطننا الغالي؟! لأن الاستثمار في هذه الدارسات يعني تمكين قطاعات كاملة من اتِّخاذ قرارات أدق، وفي عالم تُقاس فيه القوة بقدرة الدول والمؤسسات على استيعاب بياناتها، تصبح هذه المجالات البحثيَّة ضرورةً إستراتيجيَّةً للمستقبل.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store