ونحنُ في مطلع عام ٢٠٢٦، لم يعد الحديثُ عن استعمار الفضاء مجرَّد فصلٍ عابرٍ من رُوايات الخيال العلميِّ، بل أضحَى واقعًا جيوسياسيًّا تفرضهُ طموحاتُ إيلون ماسك، التي لا تعرفُ السُّكون. لقد أثبت ماسك، عبر تحديثاته المستمرَّة لخطط شركة «سبيس إكس»، وتطويره المُتسارع لمركبات «ستارشيب»، أنَّ الوصول إلى القمر ليس غايةً في حدِّ ذاتِهِ، بل هو خطوةٌ تكتيكيَّةٌ مدروسةٌ لبناء أوَّل مدينة قمريَّة مستدامة تكون نواةً للحضارة البشريَّة المتعدِّدة الكواكب.
هذا التحوُّل الجذريُّ في الإستراتيجيَّة، من مجرَّد الهبوط الاستعراضيِّ العابر، إلى التَّوطين الدَّائم، والبناء الإنشائيِّ، يضع البشريَّة اليوم أمامَ مرآة تاريخها القديم المُثقل بالصِّراعات المريرة. فإذا تأمَّلنا كيف بدأ الغرب استكشافه لقارات الأرض في القرون الماضية، سنجد أنَّ الرحلات الاستكشافيَّة التي انطلقت بدافع الفضول العلميِّ أو التجاريِّ، سرعان ما تحوَّلت إلى سباق محموم للسيطرة، وبناء المستعمرات التي استنزفت الموارد، وغيَّرت الخرائط السياسيَّة للأرض للأبد. واليوم، يبرز السؤالُ الجوهريُّ والمصيريُّ: هل ستكون مدينة ماسك القمريَّة حجر الزَّاوية لنظامٍ استعماريٍّ فضائيٍّ جديدٍ تهيمنُ عليه القوى الكُبرى، والشَّركاتُ العابرةُ للكواكب؟
إنَّ الهيمنة التقنيَّة الفائقة تمنح أصحابَها حقَّ وضع اليد «بحُكم الأمر الواقع» على الموارد الإستراتيجيَّة الثَّمينة، مثل الجليد المائيِّ المكتشف في القطب الجنوبيِّ للقمر، وهو ما قد يؤدِّي إلى تقسيم القمر إلى مناطق نفوذ حصريَّة تحاكي تقاسم القارات القديم بين القوى الإمبراطوريَّة. ومع ذلك، لا ينبغي لبقية الأمم والدول أن تظل في مقاعد المتفرجين، ترقب بصمت صياغة قدرها الكوني ومستقبل أجيالها. إنَّ دور الدول الناشئة والطَّموحة اليوم، يكمن في فرض وجودها بقوَّة عبر التكتُّلات العلميَّة، والتَّحالفات القانونيَّة، والضَّغط الدوليِّ المستمر، من أجل تحديث التَّشريعات والاتِّفاقيات الدوليَّة؛ لضمان أنْ يظلَّ الفضاءُ «تراثًا مشتركًا للبشريَّة جمعاء»، وليس إقطاعيَّة خاصَّة لمن يملك الصواريخ الأكبر، والتقنيات الأسرع.
إنَّ المشاركة الفعليَّة في بناء المعايير الأخلاقيَّة والتقنيَّة للسَّكن على سطح القمر، هي المعركة الحقيقيَّة في هذا العصر؛ لأنَّ الانكفاء السلبيَّ بانتظار اكتمال بناء المدينة القمريَّة، يعني القبول بتبعيَّة أبديَّة، وتهميشٍ تاريخيٍّ في عصر «الجغرافيا السياسيَّة الفضائيَّة». القمر اليوم ليس مجرَّد جُرمٍ سماويٍّ للرَّصد، بل هو القارَّة السَّابعة التي ستختبر ما إذا كانت البشريَّة قد تعلَّمت فعلًا من دروسها القاسية من تاريخ استعمار الأرض، أم أنَّها ستنقل أمراضها السياسيَّة القديمة إلى بيئة بكر، لم تلوِّثها الحدودُ والأسلاكُ الشائكةُ بعد.
إنَّ المسؤوليَّة تقعُ على عاتق المجتمع الدوليِّ بكافَّةِ أطيافه؛ لضمان أنْ تكون الرِّيادة الفرديَّة لماسك وقودًا للتقدُّم الجماعيِّ العادل، لا وسيلة لإرساءِ قواعد إمبراطوريَّة فضائيَّة تكرِّر مآسي التاريخ البشريِّ على سطحٍ فضيٍّ صامتٍ لا يفرِّق بينَ عِرقٍ وآخرَ، أو لغةٍ وأُخْرَى.


