وصلتني رسالةٌ خاصَّةٌ على أحد مواقع التَّواصل الاجتماعيِّ، من شخصٍ يسألُ: «لماذا الأغلبُ يتجاهلنِي؟ هذا يتكرَّر كثيرًا في علاقاتِي مع الآخرِينَ»، سؤالٌ يحملُ بين كلماته شعورًا بالرَّفض، وربما شيئًا من الحيرةِ والخذلانِ. أوَّل ما يجب قوله: التَّجاهلُ مؤلمٌ، نعم. فهو يمسُّ احتياجًا إنسانيًّا عميقًا لدينا جميعًا، وهو أنْ نُرَى ونُسمَع ونُقدَّر. لكن حين يتكرَّر الأمرُ، يصبح من المهمِّ أنْ نتوقَّف قليلًا، لا لنجلدَ أنفسنا، بل لنتأمَّلَ الصورةَ بهدوء.
أحيانًا لا يكون التَّجاهلُ رفضًا لشخصِكَ، بل عدم توافق في الاهتماماتِ، أو في أسلوب التَّواصل. قد تبذلُ جهدًا مع أشخاصٍ لا يشبهُونَكَ، ولا يستحقُّونَكَ، أو تطرقُ أبوابًا لا تشبهُ احتياجاتِكَ. ليس كلُّ انسحابٍ إدانةً، ولا كلًّ صمتٍ تقليلًا من قيمتِكَ.. بل سوء اختيار.
وفي أحيان أُخْرى، قد نحتاجُ إلى مراجعةٍ بسيطةٍ لأنفسنا: هل أفرضُ حضوري؟ هل أُكثر من الرَّسائل والانتظار والاهتمام من طرفٍ واحدٍ؟ هل أختارُ أشخاصًا غير متاحِينَ عاطفيًّا، وأُكرِّر النَّمط نفسَهُ دون وعيٍ؟ الأسئلةُ ليست اتِّهامًا، بل مفاتيح للفهم.
العلاقاتُ الصحيَّةُ تقومُ على التَّوازن. من يهتم بكَ سيبحث عنكَ، ومَن يقدِّركَ سيجعل لكَ مكانًا في يومهِ، ولو كان مشغولًا. أمَّا مَن يتكرَّر منه التَّجاهلُ، فربَّما رسالته واضحة: هو لا يملكُ المساحةَ لكَ، أو لا يرغبُ في منحِهَا. وهنا أودُّ أنْ أوضِّحَ أنَّني شخصيًّا ضدُّ أسلوب التَّجاهل، وأعتبرُه قلَّة ذوقٍ، وعدمَ احترامٍ.
نصيحتي لكَ: لا تجعل قيمةَ نفسِكَ رهينةَ استجابةِ الآخرِينَ. وسِّع دائرتكَ، غيِّر بيئتكَ إنْ لزمَ الأمرُ، اقتربْ من أشخاص يشبهُونَ روحكَ واهتماماتكَ. اعملْ على تطوير ذاتكَ، ثقتكَ، حضوركَ، لكنْ لا تفعل ذلك لتنالَ قبولًا، بل لتشعرَ بالرِّضا عن نفسكَ.
تذكَّر أنَّ المشكلة ليست دائمًا «لماذا يتجاهلُونَنِي؟» بل أحيانًا «لماذا أُصرُّ علَى مَن يتجاهلُنِي؟». حين تغيِّر زاوية السؤال، تتغيَّر الإجابة، ويتحوَّل الألمُ إلى وعيٍ، والوعيُ إلى قوَّةٍ.
* من النافذة:
مَن يستحقُّكَ لنْ يتجاهلَكَ.. ومَن يراكَ قيمةً، لنْ يتركَكَ فِي الهَامشِ.


