Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
محمد ادريس

رمضان بين ما كنا عليه وما أصبحنا عليه

A A
هلَّ علينا الشهرُ الكريمُ، وكلُّ عامٍ ونحنُ بخيرٍ.. جملة نردِّدها كلَّ عامٍ، ونقصدها بصدقٍ، لكنَّنا لا نتوقَّف كثيرًا عند معناها، الجميع بخير ظاهريًّا مع دخول رمضان، لكنَّ السؤال الأهم: هل نحنُ بخيرٍ فعلًا كمَا كنَّا؟

رمضانُ كما نعرفهُ شهرُ الصِّيام والقِيام، وهذا ثابتٌ لا يتغيَّر، لكن ما يتغيَّر بهدوء، وربما دون أنْ ننتبه، هو شكلُ العلاقات، ونمطُ العيش، وطبيعة التفاعل الإنساني الذي كان يميِّز هذا الشهر عن غيره، لا أزعمُ أنَّ الماضي كانَ مثاليًّا، ولا أنَّ الحاضرَ سيئٌ بالمطلق، لكنَّ الفارقَ محسوسٌ، والفجوة تكبرُ عامًا بعد عامٍ.

أنتمي إلى جيلٍ عاش رمضانَ بوصفه مساحةً اجتماعيَّةً، قبل أنْ يكون تقويمًا زمنيًّا، كانت الأسرة تجتمعُ بكامل أطرافها وفروعها، وكانت الزِّيارة فرضًا غيرَ مكتوبٍ، وكان الغيابُ يُسأل عنه قبل الحضور، اليوم، ومع تعاقب الأجيال، وتسارع التكنولوجيا، أصبحَ رمضانُ في كثير من البيوت زينةً تُعلَّق، وإضاءات تُشغَّل، ورسائل تُرسَل، ثمَّ يمضي الشهرُ وقد حضر شكلًا، وغاب مضمونًا. لا يمكن إنكار أنَّ الثَّورة التقنيَّة سهَّلت أشياء كثيرة، لكنَّها -في المقابل- أثقلت بعض العلاقات، وجعلت التواصل أسهل -وأبرد أقرب- وأبعد في آنٍ واحدٍ، صرنا «نلتقي» افتراضيًّا، ونتواصل أحيانًا فقط؛ ليُقال إنَّنا تواصلنا. ومع ذلك، لا أحدَ يطلب المستحيل، فالمبادرة البسيطة كفيلةٌ بإعادة شيءٍ من الرُّوح، زيارة غير مخطط لها، اتِّصال صادق، جلوس بلا هواتف، إفطار لا يُصوَّر.

لأنّنا ببساطة لا نعلمُ مَن يبقى؟ ومَن يرحل؟

وفي جانب آخر، لا يقل أهميَّة، تتكرَّر في كل عام مشاهد التشنُّج في الطُّرق، والضَّغط العالي في الأعصاب، وكأنَّ رمضان موسم استعجال، لا موسم سكينة! الأسبابُ كثيرةٌ لكنْ من بينها ما لا يمكن تجاهله، سلوكيَّات استهلاكيَّة ليست من رُوح الشَّهر، ولا من ضروراته، أكلات رمضانيَّة تحوَّلت من عادةٍ إلى هوسٍ، ومن تنويعٍ إلى سباقٍ، حتَّى بات البعضُ يخاطرُ بصحَّته وحياته، ويرفع مستوى التوتُّر في جسده وعقله، من أجل أشياء ليست فرضًا، ولا عبادةً، ولا ضرورةً.

الغريبُ أنَّ كثيرًا ممَّا يُرهق النَّاس خارج البيت، يمكن حلُّه داخله، وبأبسط الإمكانات، وربَّما بجودة أفضل، وراحة أكبر، وهدوء يليقُ بالشَّهر، لكنَّنا أحيانًا نُحمِّل رمضانَ ما ليس فيه، ثمَّ نلومه على نتائج نحن مَن صنعها.

رمضانُ ليس شهرَ الإرهاق، ولا شهرَ الاستعراض، ولا شهرَ الضَّغط النَّفسيِّ، هو مساحة لإعادة التَّوازن، لا لتعميق الاختلال. شهرٌ يذكِّرنَا بأنَّ الإنسان قبل المائدة، وبأنَّ الأُسرة قبل الشَّاشة، وبأنَّ الطَّريق إلى الطمأنينة أقصر ممَّا نتصوَّر إذا أردنا.

* نقطة تحت السطر:

رمضانُ لا يتغيَّر، نحنُ الذِينَ نغيِّر علاقتنَا به، ثمَّ نستغربُ حينَ لا يشبهُ ذاكرتنَا.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store