حين يُذكر جابر القرني، تحضر في الذاكرة صورة مهرجان وطني؛ حيث كان وجهاً رائداً فيه وهو مهرجان الجنادرية الذي شكّل لعقود مساحةً للهوية والثقافة والفرح السعودي. ارتبط اسمه بالإشراف الدقيق والانتباه للتفاصيل الصغيرة قبل الكبيرة، حتى أصبح جزءاً من مشهدٍ سنوي ينتظره الناس، ويستعيدون عبره ملامح تاريخهم وصوت أرضهم.
التقيته قبل أيام في مناسبة عابرة، فوجدت أمامي ذاكرة وطنٍ حيّة تمشي على قدمين. رجلٌ يحمل في صوته حكايات مرحلة كاملة، ويتحدث عن كواليس العمل كما لو أنها حدثت البارحة. روى لنا كيف كانوا يخوضون رحلة شاقة لتعديل بيتٍ واحد في أوبريت، في زمنٍ لم تكن فيه أدوات رقمية أو تقنيات حديثة؛ كانوا يعتمدون على الخبرة المتراكمة، ودقة الملاحظة، وروح الفريق.
ثم انتقل للحديث عما نعيشه اليوم من تقدم وسهولة في الإنجاز، مشيداً بما يصنعه الشباب السعودي في الإعلام والثقافة، وبالتحول الكبير الذي تقوده جهات مثل وزارة الإعلام ووزارة الثقافة والهيئة العامة للترفيه؛ حيث بُني نموذج ثقافي وترفيهي حديث يقوم على التيسير، وسرعة الوصول، ورفع جودة التجربة، مع ارتباطٍ واعٍ بالجذور التي انطلقت منها المسيرة الأولى.
الأجمل في حديثه أنه استحضر أسماء أشخاص لا يعرفهم كثيرون. ذكرهم بمحبة واعتزاز، وتوقف عند أدوارهم في الصفوف الخلفية؛ أولئك الذين يعملون بصمت ويغادرون قبل أن تُسلَّط عليهم الأضواء. رأيت وفاءً نادراً لسيرة أناس صنعوا الفرق دون أن يطلبوا مقابلاً معنوياً أو مادياً. كان حريصاً على أن تبقى أسماؤهم حاضرة؛ كأن حفظها جزء من أمانته المهنية والإنسانية.
وتحدث عن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز مستعيداً مواقف دعمٍ واهتمام، ودروساً تعلمها منه -حفظه الله- عن العطاء والوفاء والعمل بتركيز. وأكمل بأن الاستمرار في العمل بإخلاص صورة من صور الامتنان للوطن وقيادته.
ثم أسهب في الحديث عن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان؛ الأمير الملهم الذي جاء برؤيةٍ ترسم صورة وطنٍ في سماء العالم، وبحلمٍ كبير أن تكون المملكة وشعبها في موقع الريادة والتأثير. كان يتحدث عن مرحلةٍ تُعاد فيها صياغة الطموح، ويُفتح فيها الأفق لأجيالٍ ترى في المستحيل محطةً عابرة.
كما تحدّث عن كيف الإعلامي الذي يمتلك مساحة كُبرى في المشهد يطلب تكريم؛ وهو من امتلك فرصة أن يكون في الصورة دائماً.. رسالته لا تطلب تكريماً على جهدك. وحكى أنه قال لمذيعٍ أمضى أربعين عاماً على الشاشة إن دخوله كل بيتٍ سعودي هو التكريم الحقيقي. وأضاف أن طلب التكريم يفتح باب المقارنة، بينما هناك من يستحق التقدير أكثر؛ أناسٌ لا يعرفهم أحد، ومع ذلك يؤدّون أدواراً لو غابت لاختلّت تفاصيل الحياة اليومية.
خرجت من اللقاء سعيداً بقامةٍ إعلامية وإنسانية بهذا الثقل. تمنيت أن يطول الوقت لأدوّن رحلته كاملة؛ رحلة رجلٍ قدّم لبلاده الكثير، وما زال يرى عطاؤه واجباً طبيعياً، ويتطلع إلى تقديم المزيد والأجمل.
هؤلاء هم مدرستنا الحقيقية. منهم نتعلم معنى العمل العام، وحفظ الذاكرة، وصون أسماء الذين أسهموا في البناء. ومن الجيد أن ننهل من تجاربهم، وأن نبقي ذاكرتنا حيّة تحفظ الأثر، وتكرّم الإنسان عبر الاستمرار في الطريق ذاته بروح وفاءٍ وعطاء.


