Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أحمد بن محمد الغامدي

التأسيس.. قصة مجدٍ لا تنتهي

A A
لا يستيقظُ أبناءُ وطني الحبيب -في الثاني والعشرين من فبراير- على احتفاليَّة عاديَّة يتردَّد صداها في كلِّ أرجاء الوطن.. بل يستيقظُونَ على قرع طبول التَّاريخ التي تُحيي في صدورهم إرثًا عمره ثلاثة قرون، إنَّه اليوم الذي تلبسُ فيه المدنُ السعوديَّة ثوبَ الفخر، وتتزيَّن الشوارعُ بهويَّة «يوم بدينا»، التي تحكي قصَّة أُمَّة لم تقبل يومًا بغير القمَّة سقفًا لطموحاتها.

في هذا الصباح الاستثنائيِّ، لا يرتدي أبناءُ وطني الحبيب ملابسهم التقليديَّة فحسب، بل يرتدُونَ أمجاد أجدادهم الذين شقُّوا من صخور الصَّحراء طريقًا للوحدة والسِّيادة، هو يومٌ تختلطُ فيه رائحةُ البخور والقهوة السعوديَّة، بعبق الماضي العريق؛ ليعلن للكون أنَّ هذه الأرض التي احتضنت الدَّولة السعوديَّة الأُولَى عام 1727م، هي ذاتُها الأرض التي تقودُ اليومَ حِراكَ المستقبل، برُؤيةٍ لا تعرفُ المستحيلَ.

إنَّه احتفاءٌ بـ»يوم التَّأسيس»؛ الذي حوَّل الذاكرة الوطنيَّة إلى وقودٍ للمستقبل، واللَّحظة التي يتصافحُ فيها الشُّموخ القديم، مع الطُّموح الحديث في مشهدٍ مهيبٍ، يجدِّد فيه الشَّعب ميثاقَ الوفاء لترابٍ لم يزدد مع مرور القُرونِ إلَّا رسوخًا وعزًّا.

حين أسَّس الإمام محمد بن سعود الدولة السعوديَّة الأُولى عام 1727م، لم يكن يُؤسِّس كيانًا سياسيًّا فحسب، بل كان يضعُ حجر الأساس لمسيرةِ استقرارٍ ووحدةٍ واستمراريَّةٍ، ومنذ ذلك التَّاريخ، تعاقبت المراحلُ، وتبدلت الظروفُ، لكن الفكرة الجوهريَّة بقيت ثابتةً: دولة تقوم على التَّلاحم بين القيادة والشَّعب، وعلى الإيمان بأنَّ الأمنَ أساسُ العمرانِ، وأنَّ الطُّموحَ لا يعرفُ حدودًا.

ومع تولِّي خادم الحرمين الشَّريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز -حفظه الله- مقاليدَ الحُكم، دخلت المملكةُ مرحلة التحوُّل التي استحقَّت أنْ تُوصَف بـ»عهد الحزمِ والعزمِ»، حيث تجلَّت صلابة القرار السياسيِّ، وتعزَّزت هيبة الدَّولة، وترسَّخت قدرتها على حماية أمنها ومصالحها في محيط إقليميٍّ ودوليٍّ متغيِّرٍ.

وقد جاء اعتماد يوم 22 فبراير يومًا للتَّأسيس بقرارٍ كريمٍ من خادم الحرمين الشَّريفين -حفظه الله- عام 2022م؛ ليعيدَ تسليط الضوءِ على العمق التاريخيِّ للدولة السعوديَّة في مراحلها الثلاث، حيث لم تكن الفكرة مجرَّد إضافة مناسبة إلى الروزنامة الوطنيَّة، بل كانت خطوةً واعيةً لتعزيز الوعيِ التاريخيِّ، وغرس الاعتزازِ بالجذور في نفوس الأجيال الجديدة، فالشعوبُ التي تعرفُ بداياتِها جيِّدًا، تكونُ أقدرَ على رسم نهاياتٍ أكثرَ إشراقًا.

يحملُ يومُ التَّأسيس رسالةً ملهمةً للشَّباب تحديدًا، مفادها أنَّ ما نراه اليوم من نهضة وتنمية ليس وليد لحظة، بل ثمرة تراكم تاريخي طويل من العمل والصبر والتضحيات، إنَّه تذكيرٌ بأنَّ الأجداد حين واجهُوا التحدِّيات، لم ينظرُوا إلى صعوبتها، بل إلى ما بعدها، ومن هذا المنطلق، يصبحُ الاحتفاءُ بالتَّأسيس احتفاءً بالقِيمِ التي صنعت الدولة: العزم، والوحدة، والوفاء، والمسؤوليَّة.

وفي الحاضر، تتجدَّد معاني التَّأسيس بروحٍ عصريَّةٍ يقودُها صاحبُ السموِّ الملكيِّ الأميرُ محمد بن سلمان، وليُّ العهدِ رئيسُ مجلسِ الوزراءِ -حفظه الله-، بعدما أعاد صياغة الطُّموح الوطنيِّ، برُؤيةٍ واضحةٍ تستندُ إلى الإرثِ، وتستشرفُ المستقبلَ، فمن خلال التحوُّلات الكُبرى التي تشهدها المملكة، وتعزيز حضورها العالميِّ، وتمكين الشَّباب والمرأة، وتنويع الاقتصاد، تتجسَّد استعادة أمجاد الأجداد، بصيغةٍ حديثةٍ تتناسبُ مع متطلَّبات العصر، دون أنْ تنفصل عن الثَّوابتِ الرَّاسخةِ.

لقد أثبتت المملكةُ -عبر تاريخها- أنَّ قوَّة الدولة لا تُقَاس فقط بما تملكه من موارد، بل بما تحملُه من هويَّة راسخة، وإرادة صلبة، ومن دروس يوم التَّأسيس أنَّ الوحدة تصنعُ المعجزات، وأنَّ الاستقرارَ هو التُّربةُ الخَصبةُ لكلِّ تنمية، وأنَّ القيادة الواعية القادرة على قراءة التَّاريخ، وفهم الحاضر، هي التي تصنعُ مستقبلًا مختلفًا.

في يوم التَّأسيس، لا يكتفي أبناءُ وطني الحبيب باستحضارِ الماضي، بل يجدِّدُونَ العهدَ مع وطنٍ بدأ قبل أكثر من 300 عامٍ، وما زال يمضي بثباتٍ نحو آفاقٍ أرحبَ، إنَّه يومٌ يختصرُ حكايةَ شعبٍ آمنَ بفكرته، فصنعَ دولتَه، وحافظَ عليها، ويواصلُ اليومَ كتابةَ فصلٍ جديدٍ من المجد، عنوانه الطُّموح، وعمقه التَّاريخ، ووجهته المُستقبل.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store