بعضُ أسماء العلوم التي تنتهي بـ»لوجيا» غريبةٌ جدًّا.. علم البيض «أوه لوجيا».. وعلم دراسة الحياة خارج كوكب الأرض «زينولوجيا».. وعلم دراسة فضلات الكائنات -أعزَّكم اللهُ- لمعرفة صحتها «سكاتولوجيا».. وعلى رأس كل تلك الدِّراسات الغريبة، نجد علم الجهل «أجنوتولوجي». يُنسب إلى المؤرِّخ الأمريكيِّ «روبرت بروكتور» الذي قدَّم المصطلح عام 1992 في جامعة ستانفورد الأمريكيَّة؛ ليصف دراسة الجهل.
والمقصود هنا ليس نقص المعلومات، وإنَّما هو منظومةٌ تشمل آليَّات نشر الاعتقادات الزَّائفة، وبث الشُّكوك، والحيرة عن عمدٍ عبر التَّضليل، أو حجب، أو إخفاء المعلومات، أو تزويرها. كان الاهتمام بسبب أنشطة بعض الشَّركات الكُبْرى، وأهمها كبار صنَّاع التَّبغ في الولايات المتَّحدة، قاموا في نهاية الخمسينيَّات الميلاديَّة بمكافحة حملة التَّوعية من مخاطر التَّدخين. وركَّزوا جهودهم لدعم الأبحاث العلميَّة؛ لنفي ارتباط التَّبغ بأمراض السَّرطان، والجهاز التَّنفسيِّ، والقلب، وغيرها. وتُنسب بدايات علم الجهل أيضًا لجهود بعض شركات صناعة الكيماويَّات؛ لإخفاء العلاقة بين استخدام بعض المُبيدات الحشريَّة الجديدة، التي تمَّ تطويرها بنهاية القرن العشرين. وكان ذلك مقرونًا باختفاء الأعداد الهائلة من النَّحل بالذَّات في أوروبا. وقد أثَّر ذلك على الإنتاج الزِّراعيِّ؛ بسبب دور النَّحل المُهم في الإنتاج الزِّراعيِّ العالميِّ. ولعلم الجهل أيضًا ارتباطاتٌ بالتَّشكيك في هبوط الإنسان على سطح القمر، وكرويَّة الأرض، وغيرها من المعلومات. وبالرغم من ذلك التَّاريخ، فإنَّ دراسة الجهل لم تبدأ فعليًّا من عام 1992؛ لأنَّ جذورها وتطبيقاتها أقدمُ من ذلك بكثير.
تاريخ الصِّراعات المُسلَّحة، وبالذَّات الحروب العالميَّة الكُبْرى، والاستعمار يحتوي على التَّطبيقات المُذهلة لعلوم الجهل. وهناك آلاف الأمثلة تغطِّي فترة آلاف السِّنين. ومن الأمثلة العلميَّة واسعة النِّطاق، كانت في «وزارة التنوير العام والبروباجندا»، بقيادة «جوزيف جوبلز» في ألمانيا، بدءًا من منتصف الثلاثينيَّات إلى نهاية الحرب العالميَّة الثَّانية عام 1945، مهمتها الأساسيَّة كانت معنيَّةً بتكوين إستراتيجيَّة علميَّة لنشر الجهل بداخل وخارج ألمانيا؛ لضمان سَير أعمال البلاد المدنيَّة والعسكريَّة بيُسرٍ. وكانت تهدفُ -أيضًا- لإضعاف قوَّة أعدائها، من خلال التَّأثير على نفسيَّات شعوبها وجيوشها، وإخفاء العديد من التَّجاوزات الإنسانيَّة، والهزائم العسكريَّة، وتعظيم الإنجازات، والقيادات. وأُضيفُ هنا أنَّ تلك الوزارة كانت تستخدمُ اختصاصيِّينَ في علم النَّفس، والإعلام، واللُّغة، والموسيقى، والرِّياضيات، والشيفرة؛ لبرمجة ونشر المعلومات من جانب، وحجب بعضها من جانب آخر، وزرع التَّضليل والشُّكوك. ولو عدنا للحرب العالميَّة الأُولَى سنجدُ تلك الأنشطة لدى جميع الأطراف المتحاربة، سواء كانت روسيا، أو إنجلترا، أو الولايات المتَّحدة، أو ألمانيا. وأُشير -أيضًا- إلى أحد أكثر الكُتب مبيعًا عن عالم الجاسوسيَّة في القرن العشرين، وهو كتاب «صائد الجواسيس»، للكاتب البريطانيِّ «بيتر رايت» عام 1985، وكان مسؤولًا في الاستخبارات البريطانيَّة، وفضح ممارسات التَّضليل، والكذب المدروس بأشكاله وألوانه المختلفة، ونشر الجهل المُقنَّن، بالذَّات خلال فترة الحرب الباردة بين الغرب والاتحاد السوفيتي.
* أمنيــــة:
يشهد العالم اليوم، نقاط تحوُّل مفصليَّة في نشر الجهل، من خلال قوَّة تأثير التَّطبيقات المختلفة للتَّواصل الاجتماعيِّ. وخلال الحرب على المدنيِّين في غزَّة، وغيرها من الصِّراعات، نرى كُبْرى الحملات لنشر الجهل بطُرق احترافيَّة؛ لبثِّ الشكوك، والحيرة، والواقع الزائف، وانتشار التفاهات.. أتمنَّى أنْ يقينا الله شروره.. وهو من وراء القصد.


