Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

العلاقات السعودية المصرية.. ركيزة الاتزان العربي في زمن الاضطراب

A A
تشكِّل زيارةُ الرئيس المصريِّ عبدالفتاح السيسي إلى جدَّة، ولقاؤه بوليِّ العهد الأمير محمد بن سلمان، محطَّةً جديدةً في مسارٍ طويلٍ من العلاقات التي تتجاوز الدبلوماسيَّة التقليديَّة، إلى الشَّراكة الإستراتيجيَّة العميقة. فالعلاقة بين الرِّياض والقاهرة لم تكنْ يومًا علاقةً ظرفيَّةً، بل هي علاقةٌ تأسَّست على عناصر ثابتة: التَّاريخ المُشترَك، المصالح المُتبادَلة، التحدِّيات الواحدة، والرُّؤية المُتقاربة لمستقبل المنطقة. ولهذا جاء اللقاءُ الأخيرُ امتدادًا طبيعيًّا لحالة تشاور دائم بين العاصمتَين، في وقت تتصاعدُ فيه المخاطرُ، وتتسارعُ التحوَّلاتُ التي تمسُّ أمنَ الشَّرق الأوسط، واستقرارَهُ.

أوَّل ما يلفت الانتباه في هذه العلاقة، هو رسوخُها. فالسعوديَّةُ ومصرُ تمثِّلان العمودَينِ الأكثر تأثيرًا في بنيةِ النظامِ العربيِّ، وما يجمعهما ليس فقط موقعهمَا الجغرافي، أو ثقلهمَا الديموغرافي والعسكري، بل أيضًا إدراكهمَا المُشترك لمسؤوليَّة حماية الأمن الإقليميِّ في منطقة تتعرَّض لتحدِّيات قد تغيِّر خرائطها السياسيَّة والاقتصاديَّة. ومن هذا المنطلق، يتعامل البلدَان مع علاقتهمَا بوصفها استثمارًا في الاستقرار العربيِّ، لا مجرَّد تعاونٍ ثنائيٍّ.

ورغم هذا الثبات، تواجه الرِّياض والقاهرة جملة من التحدِّيات المعقَّدة. أولها البيئة الأمنيَّة المُضطربة المُحيطة بالمنطقة: تصاعد التوتُّرات المُرتبطة بالسُّلوك الإيرانيِّ، واتِّساع نشاط الميليشيات العابرة للحدود، واشتداد المنافسة الدَّوليَّة على الممرَّات البحريَّة الحيويَّة في البحر الأحمر والخليج. يُضاف إلى ذلك، الضُّغوط الاقتصاديَّة العالميَّة النَّاتجة عن تقلُّبات الطَّاقة، وتحدِّيات سلاسل الإمداد، والاحتياج إلى استثماراتٍ ضخمةٍ، واستقرارٍ ماليٍّ مُستدامٍ. كما تشكِّل قضيَّة الأمن المائيِّ والغذائيِّ، وفي مقدِّمها ملفُّ سدِّ النَّهضة، تحدِّيًا مباشرًا للأمن القوميِّ المصريِّ والعربيِّ، بما يستدعي تنسيقًا سعوديًّا مصريًّا أعمقَ.

أيضًا هناك تحدٍّ مهمٌّ يتمثَّل في التَّدخُّلات الأجنبيَّة داخل الدُّول العربيَّة، سواء عبر توظيف الانقسامات الداخليَّة، أو عبر بناء نفوذ على حساب الدَّولة الوطنيَّة. وقد أدرك البلدَان مبكِّرًا خطورة هذا المسار، فاختارَا مسارَ دعم الدَّولة الوطنيَّة العربيَّة في ليبيا، والسودان، وسوريا، والعراق، واليمن، والصومال، بما يحول دون انهيارات جديدة، قد تفتحُ البابَ أمام صراعاتٍ أوسعَ.

هذه التهديداتُ لم تدفع البلدَين إلى ردود فعل موسميَّة، بل إلى بناءِ تنسيقٍ إستراتيجيٍّ قائمٍ على الوقاية والاستباق. ففي البحر الأحمر، هناك تعاونٌ متزايدٌ لحماية الممرَّات الملاحيَّة من التَّهديدات التي تستهدفُ الاقتصادَ العالميَّ قبل الإقليميِّ. وفي الملفِّ الفلسطينيِّ –الإسرائيليِّ، يتحرَّك البلدَان برُؤيةٍ متقاربةٍ تسعى إلى خفض التَّوتر، ومنع انزلاق الوضع نحو مواجهاتٍ تتجاوز حدودَ فلسطين. وفي ليبيا، والسودان، واليمن، والصومال، يبرز الموقفُ المُشتركُ القائمُ على دعمِ الدَّولة ومؤسَّساتِها، وليس الميليشيات، أو الجماعات المسلَّحة.

وتكتسبُ العلاقةُ السعوديَّةُ المصريَّةُ أهميَّةً إضافيَّةً في ظلِّ الحديث المتزايد في الدوائر الدوليَّة عن احتمال توسع المواجهة مع إيران. فهذه السيناريوهات، إنْ تحقَّقت، تحملُ آثارًا خطيرةً على أمن المنطقة بأسرها، وهو ما يدفع البلدَين إلى دورٍ مزدوجٍ: احتواء التَّصعيد من جهة، وتعزيز الرَّدع الإقليميِّ من جهةٍ أُخْرى. ويتم ذلك عبر مساراتٍ أربعة: دعم الاتِّصالات الدبلوماسيَّة لضبط التَّوتر، تقوية أمن البحر الأحمر والخليج، منع توسُّع ساحات الصِّراع بالوكالة في اليمن، والعراق، وسوريا، ولبنان، وبناء موقفٍ عربيٍّ موحَّدٍ يوجِّه رسائلَ واضحةً إلى طهران بأنَّ الاستقرار الإقليميَّ لا يحتمل مغامرات جديدة.

لقاء جدَّة يأتي إذًا في سياق بناء محور اتِّزان عربيٍّ، تقوده القوَّتان الأكبر عربيًّا، محور هدفه الأساس منع انزلاق المنطقة نحو الفوضى، وصياغة توازن جديد يضمنُ احترامَ سيادةِ الدُّول وأمنها، ويُعيد التَّنمية إلى واجهة الاهتمام، بعد سنواتٍ من الصَّدمات الجيوسياسيَّة. هذا المحور ليس بديلًا عن أحد، ولا يستهدفُ أحدًا، بل يسعى إلى ترميم الإقليم، وإعادته إلى مسار طبيعيٍّ يُعلي من شأن الدَّولة، والقانون، والتنمية.

إنَّ التحدِّيات القائمة لا تقلِّل من قيمة التَّعاون السعوديِّ المصريِّ، بل تؤكِّد أهميَّته. ففي زمن ترتفعُ فيه المخاطرُ، وتتغيَّرُ فيه خرائطُ النُّفوذ بسرعة، يصبحُ وجود شراكةٍ ثابتةٍ وفاعلةٍ بين الرِّياض والقاهرة عنصرًا ضروريًّا؛ لبقاء المنطقة متماسكةً وقادرةً على مواجهة مستقبل يتطلَّب قدرًا عاليًا من الحِكمة والصَّلابة والرُّؤية. لقاء السيسي، والأمير محمد بن سلمان لم يكن مجرَّد حدث بروتوكوليٍّ، بل محطَّة إستراتيجيَّة في مسار طويلٍ عنوانه: استقرار المنطقة يبدأُ من تنسيق الرِّياض والقاهرة.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store