بين انتظام الدِّراسة وخصوصيَّة الموسم، ليس السُّؤال جديدًا، لكنَّه عاد ليطرقَ الأبوابَ بهدوءٍ أكبرَ، ومع كلِّ عام لا يتعلَّق الأمرُ بمبدأ التَّعليم، ولا بقيمته، بل بكيفيَّة حضوره داخل موسم له إيقاع مختلف.
التَّعليمُ ثابتٌ لا يختلفُ عليه اثنان، وانتظامه ضرورة لا يمكن المساومة عليها، لكن داخل هذا الثَّبات تتغيَّر تفاصيل الحياة من حوله، ومع دخول رمضان، يتبدَّل الإيقاع اليومي للأُسر، لا بوصفه شهرًا عابرًا في التَّقويم، بل كحالة اجتماعيَّة وروحيَّة كاملة، تُعيد ترتيب الأولويَّات والسَّاعات والطَّاقات.
خمسة أعوام والمشهد يكاد يتكرَّر.. صباحات أقل نشاطًا، طرق أكثر ازدحامًا، أسر تحاول الموازنة بين التزامات العمل والمدرسة ومتطلَّبات الشهر، لا أحد يجادل في أهميَّة استكمال العام الدراسيِّ وفق خطَّته، لكن النقاش لا يدور حول الاستمراريَّة، بل حول الكيفيَّة.
في مواسم سابقة ظهرت اجتهادات مدرسيَّة لتخفيف الأثر؛ مبادرات تحفيزيَّة، تنظيم مختلف لليوم الدراسيِّ، محاولات تقدِّر خصوصيَّة الفترة، خطوات إيجابيَّة تُذكر، لكنَّها لم تغيِّر الصورة العامَّة كثيرًا، هذا العام، ومع حضور الاختبارات في الأسابيع الأخيرة من الشهر، أصبح الإيقاع أكثر حسمًا، والحضور أكثر إلزامًا، والالتزام الزمني أدقَّ، هنا يبرز السؤال: كيف نوازن بين انتظام التَّقويم وخصوصيَّة الموسم؟
رمضان في البيوت السعوديَّة ليس مجرَّد ساعات صيام، بل منظومة حياة كاملة، الأم العاملة تنهي دوامها لتبدأ مهامَّ منزليَّة إضافيَّة، المعلِّمة تجمعُ بين مسؤوليَّات الصفِّ، وترتيبات الأُسرة، العائلة التي لا تعتمدُ على سائق تعيش صباحًا دقيقَ التفاصيل بين التَّوصيل والالتزامات المهنيَّة، الطَّالب نفسه يعيش إيقاعًا مختلفًا، نشاط ليلي أطول، أجواء روحانيَّة، ثم اختبار يتطلَّب تركيزًا عاليًا في وقت تقلُّ فيه الطَّاقة البدنيَّة.
ليست المسألةُ قراءةً في خلفيَّات تنظيميَّة، فالتَّقويم الدراسيُّ تُبنَى قراراتُه على اعتبارات أكاديميَّة وإداريَّة معروفة، لكنَّ الأثر الاجتماعيَّ يظلُّ جزءًا من الصورة، ومن حقِّه أنْ يُقرأ.
ثمَّة زاوية أُخرى أيضًا؛ رمضان موسم حِراك اقتصاديٍّ وسياحيٍّ داخليٍّ، والمدن تشهد نشاطًا ليليًّا مضاعفًا، الأُسر تعيد ترتيب ساعاتها بما ينسجم مع هذه الحيويَّة، وفي ظلِّ ذلك، يطرح تساؤل: هل المطلوب أنْ يتكيَّف المجتمعُ بالكامل مع الجدول؟ أم يمكن للجدول أنْ يستوعب شيئًا من خصوصيَّة الموسم، دون أنْ يختلَّ الانضباطُ؟
قد لا تكمن الإجابة في تغيير كبير، وربما لا تحتاج المسألة سوى قراءةٍ مرنةٍ للإيقاع، لا للمبدأ، فالتَّعليمُ قيمةٌ عُليا، ورمضانُ قيمةٌ روحيَّةٌ واجتماعيَّةٌ كُبْرى، وبينَ القيمتَينِ مساحةٌ يمكن إدارتها دون أنْ يشعر أحدهما بأنَّه جاء على حساب الآخرِ.
السؤال إذن ليس: هل ندرسُ في رمضان أم لا؟ بل: كيف ينسجمُ انتظامنا مع اختلاف الموسم؟
* نقطة تحت السطر:
الانضباطُ لا يناقضُ المرونةَ، والخصوصيَّةُ لا تعنِي الاستثناءَ.. التَّوازنُ هُو المساحةُ التِي تحفظُ قيمةَ التَّعليمِ، وتحترمُ إيقاعَ المجتمعِ في آنٍ واحدٍ.


