التَّشريعُ الرَّبانيُّ المُسمَّى في الدِّين (العبادات)، خاصٌّ بالله -سبحانَهُ وتعَالَى- لا ينازعه أحدٌ من البشر في ذلك، هذا التَّشريعُ العباديُّ أورده اللهُ تعَالَى في الكُتب السماويَّة التي أرسل بها رسلَهُ -عليهم السَّلام- كالتَّوراةِ، والإنجيلِ، والزَّبور، ثمَّ اختتم، وأكمل، وأتمَّ، وفصَّل هذا التَّشريع في كتابه (القرآن الكريم)، وهذا ما تؤكِّده الكثيرُ من الآيات الكريمة، كقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ)، وهنا يذكر أنَّ هذا لكلِّ مسلم موحِّد، ولم يختص المؤمنِينَ من الشَّريعة المحمديَّة فقط.
لكنَّ الذي حدث أنَّه بعد وفاة الرسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- تمَّ تحويل مطالب تلك العقيدة المُنزَّلة في كتاب الله (القرآن الكريم) إلى أدواتٍ للكسب، حيث برز الخلاف بين بعض الصَّحابة في سقيفة بني ساعدة، على مَن يخلفُ الرَّسولَ في الحُكم، والحقيقة أنَّ الرَّسولَ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- لم يكن حاكمًا حتَّى يخلفهُ أحدٌ، كما في قوله تعالى: (وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ وَإِن لَّمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ)، فما أُنزل هو القرآنُ، قال تعالى: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَىٰ وَالْفُرْقَانِ)، والخطاب هنا للنَّاس، وليس للمؤمنِينَ فقط؛ لأن الرسالة المحمدية عامة لكل الناس، فرسول الله -عليه الصلاة والسلام- جاء مبلغًا لتلك الرسالة، وجاء نبراسًا لأمته في الأخلاق، كما قال عن نفسه: (إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ الأَخْلَاقَ).
ثمَّ نشأ بعد ذلك معارك بين بعض المسلمين، وقُتل فيها الآلاف مثل: الجمل، وصفين، والنهروان، متناسِينَ فيهَا قول الله تعالى: (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا)، وهكذا استمرَّت الصِّراعات، بعيدًا عن المحتوى العقديِّ الذي تضمَّنه كتابُ الله تعالى، واستمرَّ ذلك الحال في العصر الأمويِّ، والنِّصف الأوَّل من العصر العباسيِّ، حتَّى بدأ الضَّعفُ والوَهَنُ يتخلَّلُ العصرَ العباسيَّ بعد السَّيطرة -شبه التامَّة- للفرس، ومَن في معيَّتهم من اليهود، على مفاصل الدَّولة العباسيَّة، وهم -أي الفرس واليهود- الذين يحملُونَ الكثير من الحقد والضَّغينة والكراهيَّة الدَّفينة على المسلمِينَ الذين طردُوا اليهودَ من أرضِ الجزيرة، ودمَّرُوا حضارةَ الفرسِ، وفعلُوا بهم الأفاعيل عند فتحهم لبلادهم، فأرادوا أنْ يُدخِلوا البلبلةَ والصِّراعات في عمق وقوَّة الدَّولة الإسلاميَّة، وهو دينهم الذي تضمَّنه كتاب الله تعالى، فبدأوا ينفثُونَ سمومَهم من خلال وضع الأحاديثِ المكذوبة على رسول اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- ونعلم ما ترتَّب على كلِّ ذلك من الصِّراعات المذهبيَّة، حتى يومنا هذا، ومن خلال كُتب الترغيب والترهيب الشرعي، الذي يُعدُّ المصدر الأكبر لنشر بعض الخرافات التي أضلَّت العامَّة من النَّاس، وهي جميعًا روايات غيبيَّة، لا يستطيعُ البشرُ وصفها، والتي لم ترد في كتاب الله تعالى، والمُحزن والمُؤلم أنَّ هناك مَن يصرُّ على ترسيخ وتعزيز تلك الرِّوايات في استدلالاته، حتَّى أصبحت تحتلُّ مساحةً كُبْرى في العقل الباطن عند أغلب النَّاس، وكأنَّها حقائق.
ولعلَّ هذا لم يحدث، لولا ذلك التَّرسيخ والتَّعزيز لتلك الخرافات، والمكذوبات، ولولا تأجير عقول الكثير من المسلمِينَ لفئةٍ محدودةٍ، الذين هجرُوا كتاب الله تعالى الكامل التَّام المُفصَّل.


