بحكم اهتماماتي في السِّياحة الطبيعيَّة، وتلك المتعلِّقة بتراث المملكة الجيولوجيِّ، أجدُ أنَّ قطاع السِّياحة العالمي يشهد اليوم تحوُّلًا جذريًّا نحو التَّجارب الأصيلة، التي تتجاوز مفهوم الرفاهيَّة التقليديَّة؛ لتلامس روح المغامرة والاستكشاف، بما يتماشى مع الرَّأي الذي طرحه الخبيرُ «ستيفن فيجور» في تقرير للـ»بي بي سي»، نُشر مؤخَّرًا حول توجُّهات السِّياحة المستقبليَّة. يرى فيجور أنَّ المحرِّكَ الأساسَ للمُسافر المُعاصر بات يتمحور حول ثلاثة عناصر جوهريَّة، هي: الثَّقافات المميَّزة، والمناظر الطبيعيَّة الفريدة، وإمكانيَّات الاكتشاف المستمر لأماكن جديدة، مؤكِّدًا أنَّ الدول التي «تربح» فعليًّا في سباق جذب السيَّاح، هي التي تمتلكُ «هويَّةً قويَّةً»، مع «سهولة فائقة في الوصول». وتدعم الإحصائيَّات الصَّادرة عن الرابطة الدوليَّة لقطاع سياحة المغامرات هذا التوجًّه، حيث تشيرُ إلى أنَّ السَّائح الغربيَّ، خاصَّةً من أوروبا وأمريكا، بات يميلُ بنسبة تتجاوز الـ60% نحو «سياحة المغامرة» والاستكشاف الجيولوجيِّ، باحثًا عن وجهات تقدِّم تحدِّيًا ذهنيًّا وبصريًّا بعيدًا عن الوجهات المكرَّرة.
هذه المعادلة الذهبيَّة تتجسَّد اليوم بوضوحٍ استثنائيٍّ في التحوُّل السِّياحيِّ المُتسارع الذي تعيشه المملكة العربيَّة السعوديَّة، حيث تبرز المملكة كوجهةٍ عالميَّةٍ قادرةٍ على إبهار هؤلاء الباحثِينَ عن التميُّز الجيولوجيِّ والثَّقافيِّ بآنٍ واحدٍ. إنَّ تراث المملكة الجيولوجي يمثِّل إحدى أهم ركائز هذه الهويَّة، حيث تضمُّ أراضي المملكة متاحفَ طبيعيَّةً مفتوحةً لا مثيل لها، تبدأ من التشكيلات الصخريَّة المُذهلة في العُلا، وصولًا إلى «الحرَّات البركانيَّة» المهيبة التي تميِّز التَّضاريس السعوديَّة. هذه البراكينُ الخامدةُ بفوَّهاتها العميقة، وتكويناتها البازلتيَّة السَّوداء تقدِّم تجربةًُ استكشافيَّةً فريدةً، تروي قصَّة تكوين الأرض عبر ملايين السِّنين. يُضاف إلى ذلك السِّحر الطبيعيِّ الذي تمنحه بقيَّة جبال المملكة، وخصوصًا منطقة عسير، بقممها الشَّاهقة التي تعانقُ السَّحاب، ووديانها العميقة التي تنبضُ بالحياة والخُضرة، وجزرها البِكر المتناثرة كاللؤلؤ في البحر الأحمر، والتي تلبِّي شغف المغامرِينَ ببيئاتٍ بكرٍ لم تُستهلك سياحيًّا بعد.
وبجانب هذا الثَّراء الطبيعيِّ، يبرز البُعد الثقافيُّ المتجذِّر في المواقع التاريخيَّة المسجَّلة في اليونسكو مثل الدرعيَّة، وجدَّة التاريخيَّة، وكذلك قرية رجال ألمع، حيث تمنح هذه الهويَّة القويَّة للسَّائح تجربةً إنسانيَّةً حقيقيَّةً وغير مصنَّعة تعكس كرم الضِّيافة العربي الأصيل. وقد عزَّزت المملكة هذا التميُّز الطبيعيَّ والثقافيَّ باستثمارات ضخمة في جانب «سهولة الوصول» الذي شدَّد عليه تقرير «بي بي سي»، وذلك عبر إطلاق التَّأشيرات السياحيَّة الإلكترونيَّة الميسرة وتطوير المطارات الدوليَّة وربط المواقع الجيولوجيَّة والبركانيَّة النائية بشبكات نقل حديثة؛ ممَّا كسر الحواجز التاريخيَّة أمام الوصول لهذه الكنوز. إنَّ مستقبل السِّياحة اليوم ملكٌ لمن يحمي إرثه الطبيعيَّ والجيولوجيَّ ويقدِّمه للعالم بأسلوبٍ عصريٍّ ميسَّرٍ، والمملكة بمزيجها الفريد بين سحر البراكين، والقمم الجبليَّة، وعراقة التَّاريخ، تربح الرِّهان اليوم في صياغة مفهوم جديدٍ لسياحة المستقبل التي تنشدها الأجيالُ القادمةُ، وتستجيب لتطلُّعات المسافرِينَ الباحثِينَ عن التفرُّد والجَمَال في أنقى صُوَرِه.
إننا اليوم أمام مشهد سياحي لا يقدر القيمة بالرفاهية الفندقية، ولا المولات فحسب، بل بمقدار الدهشة التي يتركها المكان في وجدان الزائر. وبناءً على هذه التوجُّهات العالميَّة، تجد المملكة نفسها في قلب هذا التحوُّل؛ فهي لا تقدِّم مجرد وجهات سفر، بل تقدِّم رحلةً عبر الزَّمن والدِّين والتَّاريخ وتراثها الجيولوجيِّ.. نحن نملك ما لا يملكه غيرُنا في المنطقة.


