* قبل أيام، ذهبتُ مع صديقٍ زائرٍ للمدينة المنوَّرة من خارج المملكة للإفطار في المسجد النبويِّ الشَّريف، وعند دخولنا كانت دهشتُه كبيرةً، حتَّى أنَّ الذهولَ قد تملَّكه، وهو يرى (ملاحم الجود) التي تبصم عليها تلك الموائد الرمضانيَّة، التي اصطفَّت بنظامٍ بديعٍ، فيما أصحابُها يلحُّونَ ويصرُّونَ على استضافتِنَا، تسبقهم الابتسامات الصَّافية والبريئة التي تنبض بها قلوبهم قبل وجوههم.
*****
* ازدادت حدَّة دهشةِ (صديقي)، ومعها مساحات وموجات إعجابه، وهو يلمسُ اختلاف جنسيَّات وأعراق ولُغات المصاحبِينَ لنا حول المائدة، فيما جمعهم وألَّف بينهم رباطُ العقيدة، ودفءُ المكانِ، حينها أكَّد لي: هذه المَشَاهد رسمتْ لوحةً إنسانيَّةً لا مثيلَ لها في العالم أجمع.
*****
* حينها قلتُ له -وأنا أرفعُ هامتي فخرًا-: يا صديقي لا عجب، فنحنُ في (المدينة النبويَّة)، تلك الجوهرةُ التي في أركانها تنزَّلت الآياتُ، وفي طرقاتِها تجوَّل النبيُّ -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- والملائكةُ -عليهم السَّلامُ-، والصَّحابةُ -رضوانُ اللهِ عليهِم-، وكلُّ زاويةٍ فيها ناطقةٌ بحكاياتٍ خالدة من تاريخنا الإسلاميِّ.
*****
* أمَّا (المجتمعُ المدينيُّ) فهم (جيران النَّبيِّ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم-) الذين تشهد على فضلهم القلوبُ ماضيًا وحاضرًا، ومن سبقت له زيارة لأيٍّ من الدُّول الإسلاميَّة، أو كان له لقاء ببعض المسلمِينَ الذين يعيشُونَ في المهجر، فسيلمس الحُبَّ الكبير الذين يحملُونَه لأهل طَيبة الطَّيبة.
*****
* يا صاحبي (أهلُ المدينةِ) مزاياهُم وسِماتُهم الرَّائعة لا تُعدُّ ولا تُحصى، ومنها: أنَّهم يتعايشُونَ مع غيرهم، فهم يُرحِّبُونَ بالمهاجرِينَ والزَّائرِينَ، ويحتضنُونَهم؛ وتصديقًا لذلك، يأتي برنامجُ المؤاخاة في العهد النبويٍّ، أيضًا هناك حُسن خُلقهِم وسماحتهُم، ولينهُم وعطفهُم، وهدوءهُم، وحرصُهم على خدمة مدينتهم وزوَّارها الكرام بمختلف أطيافهم، فهم مهمومُونَ جدًّا ودائمًا بذلك، ولذا فهم يتسابقُونَ في تقديم أبهى صور التَّفاني والعَطَاء في البحث عن رفاهيَّة ضيوفِهِم.
*****
* أخيرًا فضيلةُ الشيخ صالح المغامسي إمام وخطيب المسجد النبويِّ الشَّريف أكَّد ذات حوار ماتع: (بأنَّ مكَّة المكرَّمة والمدينة المنوَّرة بإجماع العلماء، هما أفضلُ بقعتَين على هذه الأرض، وأضاف أمَّا أيُّهما أفضل؟ فجمهورُ العلماء على أفضليَّة مكَّة، ومنهم مَن رأى حقَّ المدينة بالأفضليَّة، وإليه ذهب عمر الفاروق، وابنه عبدالله -رَضِيَ اللهُ عنهُمَا-، وهو رأي مالك -رحمه الله-)، وتبقى المدينتان الطَّاهرتان عند المسلمِينَ بمثابة العينَينِ في الرَّأسِ.


