تابعتُ مخرجات اجتماع مجلس الشؤون الاقتصادية والتنمية، الذي عُقد عبر الاتصال المرئي، فبدت الصورة أوسع من استعراض دوري للأداء؛ بدت قراءة استراتيجية لمسار اقتصاد يتحرك وفق رؤية واضحة وأولويات دقيقة. الأرقام جاءت منسجمة مع توجهات كبرى تقود التحول، وتعكس ثقل اقتصاد بات لاعباً محورياً في المشهدين الإقليمي والدولي.
عام 2025 حمل مؤشرات نمو لافتة. الاقتصاد السعودي سجل نمواً عند 4.5%، مدعوماً بارتفاع الأنشطة النفطية بنسبة 5.6%، مقابل 4.9% للأنشطة غير النفطية. هذا التوازي بين القطاعين يرسّخ قاعدة نمو متنوعة، ويعكس اتساع الروافد التي يستند إليها الاقتصاد الوطني.
ومع الربع الرابع، تسارع نمو الناتج المحلي الإجمالي إلى 4.9% على أساس سنوي وفق البيانات الأولية. الانتعاش في الأنشطة النفطية عند 10.4% منح زخماً إضافياً، في حين حافظت الأنشطة غير النفطية على نمو مستقر عند 4.1%، بما يؤكد متانة القطاعات المرتبطة بالاستثمار والخدمات والصناعة والتقنية. هذه المؤشرات تعكس اقتصاداً يتحرك في مسارين متكاملين؛ تعظيم الاستفادة من الموارد، وتسريع بناء قاعدة إنتاجية أوسع.
التقديرات الدولية جاءت متناغمة مع هذا المسار؛ إذ توقع صندوق النقد الدولي نمواً للاقتصاد السعودي عند 4.5% في عام 2026، وهو ما يمنح قراءة خارجية داعمة لمسار التحول ويعزز الثقة في بيئة الأعمال والاستثمار.
على صعيد المالية العامة، بلغت الإيرادات في السنة المالية 2025 نحو 1,111,826 مليون ريال، مقابل نفقات عند 1,388,432 مليون ريال، بعجز مقداره 276,605 مليون ريال. هذا العجز يُقرأ في سياق سياسة مالية توسعية تستهدف دعم المشاريع الكبرى، وتعزيز البنية التحتية، وتحفيز القطاعات الواعدة على المدى المتوسط والطويل. إنه استثمار في النمو، يعكس اختياراً واعياً بتقديم أولوية التنمية وتسريع وتيرتها.
الإيرادات غير النفطية سجلت 505,282 مليون ريال خلال 2025، في مؤشر واضح على تنامي مساهمة القطاعات المتنوعة في دعم الموارد العامة. هذا الرقم يترجم جهود تمكين القطاع الخاص، وتوسيع القاعدة الضريبية، ورفع كفاءة الإنفاق، ضمن إطار إصلاحي متكامل.
النفقات بدورها عكست استمرار تنفيذ البرامج الحكومية والمشروعات الاستراتيجية وفق الخطط المعتمدة. خلف كل رقم مشروع، وخلف كل مشروع أثر اقتصادي واجتماعي ينعكس على جودة الحياة وتعزيز تنافسية الاقتصاد.
في المحصلة، هذا الاجتماع استعرض بيانات لمؤشرات مالية، وشكّل لوحة متكاملة لاقتصاد يُدار برؤية، ويتحرك بثبات، ويوازن بين الاستدامة والانطلاق. نمو متسارع، تنوع في القاعدة الإنتاجية، انضباط مالي يدعم التحول، وثقة دولية متنامية. هكذا تتجسد الرؤية في أرقام، وهكذا يترسخ ثقل اقتصادي يصنع مستقبلاً أكثر اتساعاً واستدامة.


