لا يخرجُ الوسيطُ -عادةً- ليعلن على وسائل الإعلام تفاصيل، يُفترَض أنَّها سريَّة، عمَّا جرى في التَّفاوض (غير المباشر)، الذي يقوم خلاله بنقل الرسائل التي يأتمنه عليها كلُّ طرف للطرف الآخر. إلَّا أنَّ الوسيط العُماني، وزير الخارجيَّة، بدر البوسعيدي، كشف تفاصيل عن المفاوضات النوويَّة فيما بين إيران وأمريكا، كما يراها، وعلَّق على الصَّواريخ الباليستيَّة الإيرانيَّة، وبشَّر بأنَّ هناك احتمالًا جيدًا لتعاون يشمل دولًا أُخْرى في هذا الأمر.
وأكَّد -في لقاءٍ مع برنامج «واجه الأمة» (Face The Nation)، على شبكة (CBS-NEWS) الأمريكيَّة- أنَّ إيران لا تقوم بتخصيب مواد نوويَّة في الوقت الحالي. وهو كلام عكس ما كان المبعوث الأمريكي، ستيف ويتكوف، قاله قبل ذلك بحوالى أسبوع. أُذيع اللقاء يوم السبت الماضي، وبعدها ببضع ساعات، شنَّ الأمريكيُّونَ والإسرائيليُّونَ هجومهم (الموعود) على إيران.
طبعًا، يثير التصرُّف العُماني، وما تلاه من هجوم عسكريٍّ التَّساؤل عن توقيت التَّصريح الذي سبق الهجوم العسكري. فهل كان هناك خلافٌ فيما بين العُمانيِّين والأمريكيِّين حول مجرى المحادثات، ورغب بدر البوسعيدي، الوسيط العُماني، كشف بعض أسرار المفاوضات؛ لكبح الجماح الأمريكيِّ، أو الإسرائيليِّ عن الحرب؟، وهل أدَّى هذا الكشف العُماني إلى تسريع العمليَّة العسكريَّة للتغطية على ما قاله الوزيرُ العُمانيُّ؟ إذ إنَّه إذا تواصلت المحادثات، وجرى التوصل إلى تسوية ما، (وهذا أمرٌ بعيدُ الاحتمالِ بناءً على معطيات أُخرى عن الموقف الإيرانيِّ)، فإنَّ مجرى المحادثات سوف يستغرقُ وقتًا أطولَ، ومن غير المضمون الوصول إلى نتيجةٍ مُرضيةٍ لإسرائيل، كما أنَّ رأس النظام لن يتغيَّر ولا توجُّهاته الأيدولوجيَّة.
هل تنتهي الأمور على الطريقة الفنزويليَّة؟ أي يسقط رأس النظام، وتتغيَّر توجُّهات ما بقى من النِّظام بالشكل الذي يُرضي الأمريكيِّين؟.
راهنت طهران على أنْ تواجه أمريكا صعوبةً في إبقاء حشدها العسكريِّ في المنطقة لفترةٍ طويلةٍ، ولكنَّ الحل لم يكن يعتمدُ على التكتيك الإيرانيِّ، بل على تصوُّر واشنطن للدور المستقبليِّ لإيران في الشرق الأوسط الجديد.
منطقة الشرق الأوسط تعيش إعادة تشكيل جيوسياسية عميقة، وتبرز المملكة كلاعب رئيس ومحوري، وهو دور يتطلب منها أن تكون مهندس الشرق الأوسط الجديد. وسعت السعوديَّة إلى إدارة خفض التَّصعيد مع إيران خلال سنين عدَّة، وقبلت أنْ تكون الصين وسيطة لذلك. ومن المؤسف أنْ يوجد في طهران مَن سَعَى إلى استهداف السعوديَّة ضمن قائمة الهجمات العسكريَّة لمسيَّراتِها عند بداية المعارك، فيما بين إيران وأمريكا. إلَّا أنَّ المملكة تتوقَّع تعاونًا من كافَّة الأطراف المعنيَّة بأمن المنطقة؛ سعيًا لتحقيق أمنٍ واستقرارٍ يُساعد على النموِّ والازدهار، الذي تسعى بلادنا الوصول إليه، بقيادةٍ مؤمنةٍ، بمستقبلٍ مزدهرٍ لكامل المنطقة، بما فيها إيران بالشكل الذي سوف تستقرُّ عليه.


