Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د. خالد محمد باطرفي

الخليج بين الردع وتجنب الحرب: قراءة في الموقف الإقليمي

A A
تفرض المواجهة الدائرة بين الولايات المتحدة واسرائيل مع إيران واقعاً إقليمياً بالغ التعقيد، غير أنّ قراءة الموقف الخليجي تكشف حرصاً واضحاً على عدم الانزلاق إلى حرب مفتوحة، مع التمسك في الوقت ذاته بحق الدفاع وحماية الأمن الوطني. فدول الخليج ليست طرفاً مباشراً في هذه الحرب، ولم تُبنَ سياساتها على أساس الاصطفاف أو المشاركة الهجومية، لأن كلفة أي توسّع عسكري ستكون واسعة ومدمرة اقتصادياً وأمنياً على المنطقة والعالم.

النهج الخليجي، والسعودي تحديداً، يركز اليوم على منع اتساع رقعة الصراع، وتحجيم تأثيراته، وتأمين الأجواء والحدود والممرات الحيوية. فالموقف دفاعي ومستند إلى تعزيز الردع الجوي والبحري، وتطوير منظومات الإنذار المبكر، وتأمين الملاحة الدولية، دون الدخول في عمليات هجومية خارج الحدود. ومع ذلك، يبقى هذا الخيار قائماً إذا ما تعرضت أراضي دول الخليج أو منشآتها لاعتداء مباشر، وهو خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

الانتقال من الدفاع إلى الهجوم ليس قراراً بسيطاً، بل تحكمه ثلاثة شروط أساسية: وقوع اعتداء واسع وممنهج يهدد بنية الدولة أو أمنها الحيوي، ثبوت مسؤولية رسمية مباشرة لإيران دون وكلاء أو جماعات وسيطة، وانسداد المسار الدبلوماسي وعدم إمكانية احتواء التصعيد. وفي ظل هذه الشروط الصارمة، تبقى القدرة الهجومية موجودة، لكنها ليست الخيار الأول، لأن الهدف الاستراتيجي هو الحفاظ على الاستقرار الإقليمي، لا فتح جبهات جديدة.

وعن احتمال تنفيذ ضربات عسكرية داخل إيران، فإن المؤشرات الحالية لا ترجّح هذا السيناريو. فتنفيذ مثل هذه العمليات سيقود إلى حرب إقليمية شاملة، وهو ما تتجنبه العواصم الخليجية بدقة. الردّ الأكثر واقعية سيكون في ثلاثة مسارات: تعزيز الاعتراضات الدفاعية ضد الهجمات، استخدام أدوات الردع السياسي والاقتصادي عبر الشركاء الدوليين، أو التعامل مع وكلاء إيران في ساحات النزاع ضمن إطار القانون الدولي، وليس ضرب العمق الإيراني مباشرة.

ويأتي البيان المشترك الذي أصدرته قطر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن والولايات المتحدة ليؤكد هذا النهج، إذ يجمع بين الحزم والمرونة. فهو من جهة يرسّخ مبدأ الردع ويعلن أن الهجمات الإيرانية لا يمكن أن تمر دون تبعات، ومن جهة أخرى لا يُعدّ إعلاناً لعمل عسكري وشيك، بل رسالة سياسية تهدف إلى رفع كلفة السلوك الإيراني وطمأنة الأسواق الدولية، وتوحيد الموقف الدفاعي في حماية الملاحة والمنشآت الحيوية.

البيان يترك الباب مفتوحاً لمختلف الخيارات دون التزام مسبق، محافظاً على توازن دقيق بين تجنب الحرب ورفض أن تكون دول الخليج ساحة مستباحة. وفي هذا الإطار، تتشكل هندسة ردع إقليمية تتيح للعواصم الخليجية والولايات المتحدة إدارة المشهد وفق تطوراته، دون الانجرار إلى مواجهة لا يريدها أحد.

في المحصلة، تبقى فلسفة الموقف الخليجي قائمة على حماية أمن المنطقة ومنع الحرب لا إشعالها. فالحزم مطلوب، والردع ضروري، لكن الهدف النهائي هو تثبيت الاستقرار الإقليمي في لحظة تتسم بحساسية استثنائية وارتباك عالمي متزايد.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store