شهرُ رمضانَ موسمٌ كريمٌ تُفتَح فيه أبوابُ الجنَّة، وتُغلَق أبوابُ النَّار، وتُصفَّد الشَّياطينُ، وفيه ليلةٌ من أفضل ليالي العام، فهي خَيرٌ مِن أَلْفِ شَهْرٍ.. وآخر أيَّامه عتقٌ من النَّار، بل إنَّ تفطير صائم، له من أجرُ الصَّائم دونَ أنْ ينقص مِن أَجرِهِ شيءٌ.
هذه القيم العقائديَّة لهذا الشهر الكريم، جعلت المسلمِينَ في كلِّ مكان يتسابقُونَ بالعبادات والشعائر، كصلاة التَّراويح، والإحسان والتَّكافل في إفطار الصَّائمِينَ.
وتُعتبر السعوديَّة أنموذجًا حيًّا لهذا التَّكافل والتَّراحم والإحسان، فموائد الإفطار في الحرمين الشَّريفين، وفي معظم المساجد، تقدَّم يوميًّا لمئات الآلاف من المسلمِينَ، يقدِمُونَ من شتَّى بقاع الأرض، فلا فَضَلَ لِعَربيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِأبْيَضَ عَلَى أَسْودَ إِلَّا بِالتَّقوَى. كما أنَّ إقامةَ صلاة التَّراويح جماعةً في الحرمين، وفي جميع المساجد، هو تطبيقٌ حيٌّ لرُوح الجماعة، فتظهر عظمة هذا الدِّين في التَّكافل والتَّراحم.
وقد عزَّز هذا المفهوم إطلاق منصَّة إحسان للحملة الوطنيَّة للتبرُّع، والتي طالت ليس فقط المسلمِينَ في الداخل، ولكن في الخارج أيضًا، ودعمها لعدة دول منها فلسطين، والسودان، وموريتانيا، والصومال، واليمن.. وغيرهم، حيث توزع الوجبات، والسلال الغذائيَّة الرمضانيَّة.
كما أنَّ إقامة السفارات السعوديَّة في الخارج لموائد الإفطار، ودعوة لمعظم الدبلوماسيِّين من دول العالم -بصرفِ النَّظر عن دياناتِهِم- لهي قوُّة ناعمة، وجذب للتَّعايش والسَّلام، وإظهار عظمة الدِّين الإسلاميِّ.
هذا الأنموذج الرَّائع، اقتدى به المسلمُونَ أيضًا في مشارق الأرض ومغاربها، وأحدث ما وصل إلينا هذا العام، ما أقامه المسلمُونَ في بلجيكا كأطول مائدةِ إفطارٍ في أوروبا، امتدَّت على طول شوارع أُغلِقَت لتناول طعام الإفطار، الذي لم يقتصر على المسلمِينَ فقط، بل أي شخص يمكن أنْ يشارك في الإعداد والتَّنظيم، وتناول الطعام، وهنا تظهر قِيم الإسلام، ومنها التطوُّع في البذل، ومميِّزات هذا المشهد الرَّائع محو للصورة النمطيَّة عن الإسلام، وأنَّه دِينُ التطرُّف والإرهاب، إلى صورة أُخرى جميلة، بأنَّه دِينُ الحبِّ والتَّآخِي. والجميل أنْ يصدحَ القرآنُ على طول الشوارع.. وأنْ يعمَّ الأذانُ بصوتٍ جميلٍ كلَّ أرجاء المكان، في أجواء احتفاليَّة، وفوانيس تجذب الصغار، وتلهب عاطفة الشوق للحضور والمشاركة من كافَّة المِلل المسيحيَّة، وغيرهم، تجذبهم هذه الفعاليَّات.
وفي نيويورك، وفي منهاتن بالتحديد، وسط المدينة (وشارع برودوي)، معقل سلاطين المال والاقتصاد والبراندات؛ أُقيمت صلاة التَّراويح، فما أنْ بدأ الإمامُ بوضع سجادته، ومعه عددٌ لا يتجاوز أصابع اليد الواحدة، حتَّى امتدَّت السجاجيدُ؛ لتصلَ للآلاف، وخفتتْ أضواءُ الإعلانات أمامَ نور القرآن، بل أسلمَ في تلك الليلة أكثرُ من مئةِ شخصٍ تساءلُوا: ما الذي يحدث؟! وهنا يبدأ الفضولُ والشَّغفُ الإنسانيُّ بالسُّؤال عن هذا الدِّين، ولماذا هذه المظاهر؟ ويبدأ الصغار قبل الكبار، والبسطاء قبل المفكِّرِينَ، والطلاب قبل المعلِّمِينَ، ومقارنة بين ما يعيشُونَه من تفكُّكٍ، وضَياعٍ، وحبٍّ للمالِ، فالمشرَّدُونَ يهيمُونَ في صحراء الوحدة والفقر، وظروف صحيَّة واجتماعيَّة سيِّئة، ومقارنة ذلك بالمظاهر الاحتفاليَّة والتعبُّديَّة وبهذا التَّماسك والتَّكافل الاجتماعيِّ، تلك المشاهد حتمًا تكون صادمةً لأعداء الإسلام، ولكنَّ اللهَ -سبحانَهُ وتعَالَى- يقول: (وَيَأْبَى اللهُ إِلَّا أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
هذه القيمُ هي رُوح الإسلامِ، ولكنَّ ظهورها بصورة نموذجية في رمضان هو قوة جذب مؤثرة وفاعلة في الحوار والتعايش الفكري الثقافي؛ لبث رسالة الإسلام الخالدة.
الفوانيسُ، والزِّينةُ، والأهازيجُ الرمضانيَّةُ مظاهرُ جميلةٌ لجذبِ الأطفال، وانخراطهم في العبادة بحبٍّ وقناعةٍ، بجَمَال المظهر أوَّلًا، ثمَّ سلامة القلب والعبادة ثانيًا، خاصَّةً بوجود القدوة الصَّالحة التي تزرع فيهم قِيمَ الخيرِ والحُبِّ والسَّلامِ.


