نعلمُ أنَّ المقصودَ بالدِّين هو عبادةُ الله تعَالَى وحدَه لا شريكَ له، والذي سمَّاه سبحانَهُ بدينِ الإسلامِ في قولهِ تعالَى: (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الْإِسْلَامُ)؛ لأنَّ اللهَ تعَالَى قال: (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)، وعبادة الله تعَالَى تتعدَّد صورُها وأشكالُها، لكنْ يمكن اختصارُها في وحدانيَّته سبحانَه، وإقامة العملِ الصالحِ مع عبادهِ المتضمِّن الالتزام بالقِيم والسلوكاتِ الفاضلةِ في المعاملات الحياتيَّة، لكنَّ اللَّافت ذلك التَّنامي المستمر في تفرُّق الأمَّة الإسلاميَّة وتشرذمها، من خلال تحوُّلها إلى مذاهبَ وشُعبٍ وفِرقٍ، أصبح كلُّ مذهبٍ وفرقةٍ وشُعبةٍ ترى أنَّها على حقٍّ، وغيره على باطلٍ، ثمَّ تنامى ذلك التشرذمُ الشَّرعيُّ إلى تناحرٍ سياسيٍّ، كلٌّ يريد الغَلَبَة على الغَير، ولكلٍّ منهم شيوخُه عندهم، لهم حقُّ التَّشريع والاتِّباع، وتناسَى الجميعُ أنَّ نزولَ الوحيِ على رسولِ اللهِ سيِّدنا محمَّدٍ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كان نزولًا مُحكمًا ومفصَّلًا في كتابهِ الكريمِ؛ كي يصبحَ ذلكَ هو التَّشريع الثَّابت الذي لا يأتيهِ الباطلُ مِن بينِ يدَيهِ وَلَا مِن خَلْفِهِ، والصَّالح لكلِّ زمانٍ ومكانٍ؛ كون رسالته -عليهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ- هي خاتمةُ الرِّسالاتِ، وفيها جُمعت وخُتمت كلُّ التَّشريعاتِ السَّابقةِ التي جاء بها الرُّسلُ الذِين أُرسلُوا قبلَهُ، قال تعَالَى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا)، وهذه الآية الكريمة تؤكِّد -بما لا يدعُ مجالًا للشكِّ- على اكتمالِ التَّشريعِ وإتمامهِ وتفصيلهِ في كتابِ الله تعَالَى، حيث اكتملَ تحديدُ وتوصيفُ العباداتِ والعقوباتِ والقِيمِ والمعاملاتِ والسلوكاتِ الحياتيَّةِ.
وممَّا سبق يتَّضح لنا -بجلاءٍ- اكتمال هذا التَّشريعِ السماويِّ بكلِّ تفاصيلهِ التَّامةِ والكاملةِ، كما تمَّ تبليغها -خيرَ تبليغٍ- من الرَّسولِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- كما جاءتْ دونَ تحريفٍ أو تبديلٍ حينما دوَّنها كُتَّابُ الوحيِ، وراجعَها جبريلُ -علَيهِ السَّلامُ- معَ رسولِ اللهِ -صلَّى اللهُ عليهِ وسلَّم- وحفظها اللهُ تعَالَى من التَّحريفِ، قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ)، وقد استمرَّ الالتزامُ بمضامين تلكَ التَّشريعاتِ التي وردتْ في كتابِ اللهِ تعَالَى دونَ إضافةٍ أو تعديلٍ، فلم يكنْ لصحابةِ رسولِ اللهِ، وكلِّ مَن أسلمَ في عهدهِ مرجعٌ غير ذلك الكتابِ العظيمِ التَّامِّ المكتملِ، واستمرَّ ذلكَ الحالُ حتَّى أواخر القرنِ الثَّاني الهجريِّ، حينما بدأ ظهورُ المذاهبِ الأربعةِ وهم: الشَّافعي، وأبو حنيفة، ومالك، وأحمد بن حنبل، ثمَّ ظهرَ بعدهم كُتَّابُ الحديثِ كالبخاري، ومُسلم، والتَّرمذي، وابن حبَّان، والنسائي، والتي اتَّسمت تلك المرحلةُ بدخولِ الكثيرِ من الأجناسِ البشريَّةِ إلى الإسلام، لكنْ ما ترتَّب على ظهورِ تلكَ المذاهبِ ما يُسمَّى بالرِّوايات المتناقلة؛ ممَّا يجعلُ الكثيرَ منها غير دقيقٍ، أو غير صحيحٍ، فأدَّى ذلك إلى جمعِ الآلافِ من الرِّواياتِ، كانتْ مليئةً بالمكذوبِ والضَّعيفِ، ثمَّ نشأ علمُ الجرحِ والتَّعديلِ لتنقيةِ الكثيرِ من تلك الأحاديثِ المجموعةِ، ونحنُ نعلمُ أنَّ الحكمَ على الميِّتِين في مثلِ هذه الأمورِ غيرُ دقيقٍ؛ ممَّا أدَّى لحدوثِ الكثيرِ من الكذبِ والتَّطويعِ السياسيِّ من قِبل ساسةِ تلك الدُّول.
وهنا بدأت المذاهبُ الأربعةُ تتبلورُ بفكرٍ تشريعيٍّ جديدٍ، كان اعتمادُهم في أغلبِ استدلالاتِهم على تلكَ الأحاديثِ، مهما كانَ درجة صحَّتِها، ثمَّ تتابعَ بعد ذلكَ بروزُ الكثيرِ من المذاهبِ والشِّيعِ التي انحرفتْ باتِّجاهاتٍ سياسيَّةٍ، أو لإثباتِ مكانةٍ وقوةٍ فقط، ثمَّ تنامَى ذلكَ الحالُ حتَّى بدأ التحوُّل الأخطرُ في مسارِ تلك المذاهبِ بعد القرنِ السادس الهجريِّ، حينما تحوَّل ذلك الخلافُ إلى صراعاتٍ سياسيَّةٍ بعد أنْ غلبَ عليها تلكَ الصبغةُ السياسيَّة، فتحوَّل الأمرُ إلى تنافرٍ وتناحرٍ عصبيٍّ مذهبيٍّ، أفضَى إلى إهراقِ الكثيرِ من الدِّماءِ، وها نحن اليوم نجني ثمار تلك الخلافات المذهبية، وها هي الخلافات تتنامى وتتحول إلى صراعات بين الدول، بعدما كانت قبل ذلك صراعًا بين الأتباع، وصدق اللهُ العظيمُ الذي قال في كتابه: (إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ).
وهنا يبقى الالتفاتُ لهذَا الأمرِ الخطيرِ الذي انحرفَ بالأُمَّة الإسلاميَّة، وأدَّى إلى تفكُّكِها وتشرذمِها المستدام، يبقى موكلًا إلى مَن يهمُّه الأمر من قيادات، ومنظَّمات إسلاميَّة.. والله من وراء القصد.


