لستُ من متابعي مسلسلات رمضانَ، ليس اعتراضًا ولا تقليلًا من شأنها، ولكن لأنَّ الوقت في مواسم كهذه يصبحُ أكثرَ انتقائيَّة، والأولويَّات لا تمنحُ مساحةً للجلوس الطويل أمام الشَّاشة، ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الحضور الطَّاغي للدِّراما، فهي تتسلَّل إلينا عبر مقطعٍ عابرٍ، أو تعليقٍ محتدمٍ، أو موجةِ تفاعلٍ تصعد سريعًا، ثمَّ تهبطُ بالسَّرعة ذاتها.
هذا العام تبدو الصورة مكتملةً من الخارج: إنتاج وفير، أسماء معروفة، حملات ترويج لا تهدأ لكنَّ شيئًا ما في الداخل لا يتحرَّك، كأنَّ الجسدَ حاضرٌ، غير أنَّ أطرافَه لا تستجيبُ.
ليس الخللُ في الكاميرا، ولا في الإضاءة، ولا حتَّى في أداء الممثِّلِينَ، الخللُ أعمقُ قليلًا، في الفكرةِ التي تمشي بخطواتٍ قصيرةٍ داخل زمن يمشي بخطواتٍ واسعةٍ في الحكاية التي تدور حول ذاتها، بينما المزاج العام يتبدَّل، وحساسيَّة المتلقِّي ترتفع، وقدرته على التَّمييز تصبحُ أكثرَ حِدَّةً.
نحن أمام مشاهد لم يعدْ يكتفي بالانبهار البصريِّ يتابع، يقارن، يقرأ ما وراء السُّطور، وحين يشعر بأنَّ العمل لا يضيفُ إلى وعيه شيئًا ينسحب بهدوء، لا ضجيج في الانسحاب، لكنَّه انسحابٌ مؤثِّرٌ؛ لأنَّ المعادلة لم تعد تقوم على عدد المشاهدات وحدها، بل على ما يبقى بعد انتهاء الحلقة.
الدِّراما بطبيعتها مرآة، لكنَّها ليست مرآةً جامدةً إنْ لم تلتقط ارتجاف اللَّحظة، انعكست باهتةً وإن لم تُدرك حجم الأسئلة المتداولة في الوعي الجمعيِّ، بدت كأنَّها تعيشُ زمنًا سابقًا ليس مطلوبًا منها أنْ تلاحق الحدث، بل أنْ تفهم الإحساس العام الذي يصنعه الحدثُ.
هناك فرق بين أنْ تُنتج عملًا آمنًا، وأنْ تُنتج عملًا حيًّا، الأوَّل يمرُّ بلا خسائر، والثَّاني يغامر قليلًا ليقول شيئًا حقيقيًّا، وبين السَّلامة والجرأة مساحة ضيِّقة، لكنَّها هي التي تصنع الفارق.
والشَّللُ الرباعيُّ في الدراما هذا العام ليس غياب الحركة، بل غياب الاتِّجاه، تتحرَّك الشخصيَّات، تتصاعد الأحداث، تتبدَّل المواقع، لكنَّ البوصلة لا تشيرُ إلى معنى أعمق، كأنَّ الدراما اختارت أنْ تبقى في منطقةٍ مريحةٍ، بينما اللَّحظة نفسها غير مريحةٍ.
* نقطة تحت السطر:
ربَّما تحتاجُ الدِّراما اليوم، إلى إعادة تعريف دورها: هل هي مساحةٌ للهروب فقط؟ أم مساحةٌ للفَهمِ أيضًا؟ هل تكتفي بإعادةِ تدوير القوالب، أم تحاول كسرها بهدوءٍ محسوبٍ؟


