في كلِّ عامٍ من رمضانَ، يتكرَّر المشهدُ ذاتُه. يتحوَّل الحديثُ في منصَّات التَّواصل إلى استعراضٍ لأزياء الشَّهر، ولمسات المكياج، وأماكن السُّحور، وأجمل المخيَّمات، لا أرى في ذلك خطأً، فالاحتفالُ شيءٌ لا بُدَّ منه، والجَمَال جزءٌ من الفطرة.
وعندما صادفتُ مقطعًا في السناب شات لفتاة تقول: «أحبُّ رمضانَ؛ لأنَّه يمنحُنِي فرصةً لارتداءِ جلابيَّاتِي والخروج لوجباتِ السُّحور»، لم أستنكر فرحتها، فالسَّعادةُ بقدوم رمضانَ نعمةٌ. لكنَّ السؤال راودنِي: هل أصبحَ الشهرُ مساحةً للظهور أكثرَ منه مساحةً للتقرُّب إلى الله؟ هل تحوَّل من موسم عبادة، إلى موسم لقاءاتٍ وصورٍ... أم إلى أغانٍ تملأُ الأجواءَ مثل «يا حلاوة يا طراوة»، بينما يظلُّ جوهره ينتظر مَن يلتفت إليه؟
رمضانُ ضيفٌ لا يزورنَا إلَّا مرَّة في العام، لكنَّه قادرٌ على إعادة تشكيلِ عامٍ كاملٍ من أعمارنا. هو شهرُ القرآن، شهرُ التَّهذيب الداخليِّ، شهرُ مراجعة النَّفس قبل مراجعة المظهر. لا أحدَ يعترضُ على التجمُّعات العائليَّة، ولا على ارتداء الجلابيَّات. لكنَّ الخللَ يبدأ حين تصبحُ الصورةُ أهمَّ من اللَّحظة، والتَّصويرُ أهمَّ من التدبُّر، حين ننشغل بما سننشره أكثر ممَّا سنصلحه، وبما سيراه النَّاسُ أكثر ممَّا يراه اللهُ.
رمضانُ لا يحتاجُ إلى استعراضٍ، بل إلى صدقٍ. لا يحتاجُ إلى جلابيَّة جديدة، بقدر ما يحتاجُ إلى قلبٍ جديدٍ. يحتاج إلى وقفةٍ صريحةٍ مع النَّفس: وما الذَّنبُ الذي سنعزمُ على تركهِ حقًا؟..
أعترفُ أنَّني ما زلتُ أحنُّ إلى تلك الطقوس البسيطة، إلى صوت محاضرات الشيخ علي الطنطاوي، إلى السَّكينة التي كانت تملأ البيت، ربما لم يكن كلُّ شيءٍ مثاليًّا، لكنَّه كان أكثرَ هدوءًا... وأكثرَ صدقًا.
يمضي الشهرُ سريعًا كلَّ عام، ونقولُ دائمًا إنَّه مرَّ كلمحِ البصر. لكنَّ السُّؤال الأهم ليس: كم يومًا صُمنَا؟ بل: ماذا تغيَّر فينَا؟
المشكلةُ حين تتحوَّل تلك التفاصيل إلى طقوس نمنحها مساحة أكبر من اللازم، فيتراجع الجوهر إلى الخلف، فنغفل عن الأهم، أنْ نغرس في قلوب الأجيال الجديدة الإكثار من قراءة القرآن، ونعرِّفهم لذَّة ختمه، ونربِّيهم على كثرة الدُّعاء.
* من النافذة:
الحنينُ ليسَ عودةً إلى الماضِي، بل زيارةٌ صامتةٌ لنسخةٍ قديمةٍ منَّا ما زالتْ تسكنُ القلبَ.


