Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.منى يوسف حمدان

روحانية رمضان وحنين الذكريات في طيبة

A A
في كلِّ عام، حين يهلُّ شهرُ رمضانَ المبارك، لا يطرق قلبي الشَّهرُ الكريم فحسب، بل تطرق معه الذِّكريات أبوابَ الرُّوح، وتعود بي الخطى إلى طَيبة الطَّيبة، إلى المدينة المنوَّرة، حيث للزَّمان طعمٌ آخرُ، وللعبادة معنى يفيضُ سكينةً وطمأنينةً.

رمضان في طيبة ليس شهرًا عابرًا، بل حالة وجدانية كاملة، هو عبق السكينة في الطرقات، وصوت التراويح المتهادي من مآذن المساجد، ودموع المصلِّين في حضرة القيام.

في بيت جدِّي الشيخ حمدان -رحمَهُ اللهُ- وجدَّتِي ماريا الأحمدي، تبدأ الحكاية، حيث تتوهَّج الذَّاكرة في ذلك البيت، في حي الزاهديَّة، وحيث مركاز العُمدة، ذلك البيت لم يكن مجرَّد جدران، بل كان وطنًا صغيرًا تتَّسع فيه القلوبُ قبل الغرف. هناك بصحبة أُمِّي وأَبِي -رحمَهُمَا اللهُ-، كنا نعيش رمضانَ كما ينبغي أنْ يُعاش، اجتماعًا ومحبَّةً وبركةً.

في ليلة رمضانَ الأُولى، وعندما يتمُّ الإعلانُ عن دخولِ الشَّهر، تأخذُنِي أُمِّي -رحمَهَا اللهُ- بيدِي للذهاب من بيت جدِّي عبدالله، إلى بيت جدِّي حمدان المتجاورين، ويفصل بينهما فقط جدارٌ؛ وتربَّيتُ ونشأتُ بين بيتٍ يضمُّ أعمامِي وبيتٍ آخرَ أرتادهُ، حيث أخوالِي وجدَّتي منصورة الأحمدي، مع جدَّتِي ماريا، وجدَّتِي مسفرة الأحمدي -رحمَهُنَّ اللهُ-، علَّمتنِي جدَّتي ماريا كيف أبدأُ زيارتي بنَيل رضَا جدَّتي منصورة، التي كانت تكرمنِي في بيتها، وتسعدنِي بحديثها، بل تذكَّرتُ طعمَ (شوربة الحبِّ المدينيَّة) التي لا يتقنُ صنعَها أحدٌ مثلها، أمَّا جدَّتِي ماريا فكانت بارعةً في تحضيرِ السمبوسك، وفتح العجين، وصناعة الكنافة، كما يتقنُها أهلُ المدينة.

في بيتِ جدِّي حمدان، كان هناك قوانين صارمة، كنَّا جميعًا نلتزمُ بها -صغارًا وكبارًا-، وكانت مدرسةُ الشيخ تلتزمُ بجمع العائلة في إفطارٍ وسحورٍ عائليٍّ يجمعُنَا. لم تكن مائدة الإفطار، أو السحور مجرَّد طقوس يوميَّة، بل كانت درسًا عمليًّا في صِلة الرَّحم. هناك نتعلَّم كيف نصغِي للكبار، لم نكن نتفوَّه بكلمةٍ في حضرة جدِّي حتَّى يأذن لنا هو بالحديث، ويبدأ هو بالحوار، تعلَّمتُ كيف يكون التَّقدير للمكانة في لحظاتٍ مهيبةٍ، وكنتُ -ومازلتُ- أستشعرُ بركة هؤلاء الكبار، وأحنُّ لكلِّ تلك الدَّعوات الصَّادقة التي تنساب من قلوبهم قبل أفواههم.

في تلك الأجواء فهمنا أنَّ العبادة ليست مجرَّد أداءٍ للصَّلاة، بل حضور قلب. ليست ركعات تُؤدَّى فحسب، بل خشوع يُعَاش. كنَّا نرَى في صلاة التَّراويح معنَى الاجتماعِ على الخيرِ، وفي السحورِ معنَى التَّواصِي بالصَّبرِ، وفي الصِّيام مدرسة لتزكيةِ النَّفس.

كانت أُمِّي -رحمَهَا اللهُ- توقظنا للسُّحورِ بحنانٍ وتردِّد أنَّ بركة الشَّهر في القيام قبل الفجر، وأنَّ الدُّعاء في الأسحار لا يُرَد، وكنتُ أشاركها صناعة وجبة السُّحور، وتعلَّمتُ فنونَ الطَّهي منها، وأنا طفلةٌ في مقتبل العمر.

كان أبي -رحمَهُ اللهُ- يذكِّرنَا بأنَّ الصومَ ليس امتناعًا عن الطَّعام فقط، بل عن كلِّ ما يُنقصُ من قَدْر الإنسان خُلقًا وسُلوكًا، هكذا تشكَّلت في وعينا صورةُ العبادة الحقيقيَّة: عبادة تُصلح القلبَ، وتُهذِّب السلوكَ، وتنعكس على علاقتِنَا بالنَّاس. وكنتُ أرافقهُ لصلاةِ الفجرِ والتَّراويح والتَّهجُّد في الحرم النبويِّ، وفي مسجد قباء، كنا نعتكفُ بجوار الحرم في أحد الفنادق، ونختم القرآنَ معًا.

رمضانُ في طَيبة الطَّيبة صلواتٌ في الحرمِ النبويِّ الشَّريف، وأصواتٌ خالدةٌ في ذاكرتنا مع أئمةِ الحرمَين والمؤذنِينَ، وذلك الصوتُ الشجيُّ الذي حُفرَ في ذاكرة أهل المدينة، واستقرَّ في وجدانِهم على مرِّ السِّنين الشيخ عبدالعزيز بن صالح -رحمَهُ اللهُ-، وها هي الذِّكريات اليوم يستدعيها جيلٌ مضَى مع جيلٍ قادمٍ، وبمعيَّة فضيلةِ الشيخ صالح المغامسي، الذي عدَّه النَّاس تلميذًا للشَّيخ المُعلِّم والشَّبه الكبير في التِّلاوة ونبرة الصَّوت.

رمضانُ في طَيبة الطَّيبة في ذاكرتي مدرسةٌ للرُّوح، ومحرابٌ للسَّكينة، وموسمٌ تتجدَّد فيه القِيم. هو شهرٌ نعود فيه إلى الله، وإلى أنفسنا، وإلى أهلينَا. فإذا أحسنَّا استقبالَهُ، عاد إلينا كما كان: نورًا في البيوتِ، ورحمةً في القلوبِ، وبركةً يمتدُّ أثرُهَا إلى ما بعد انقضائِهِ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store