قبل أيام، استشارنِي مسؤولٌ دوليٌّ بارزٌ بشأن منظومةِ الوساطة، وأين يمكنُ أنْ يُعقد مؤتمر سلام للشرق الأوسط، على نحو «وستفاليا جديدة»، تعيد تأسيس السِّيادة والأمن، في هذا المناخ الدوليِّ المُتدَاعي. وكان الحديثُ يدورُ حول خطرِ اتِّساع الحرب، وأثر أسواق الطَّاقة في حسابات الصِّين، ومسارات التَّفاوض، وإمكانات خفض التَّصعيد.
وفي أثناء هذا النقاش، بدت لي الأمم المتحدة كما لو أنَّها لا تزالُ تحبُّ أنْ تتخيَّل نفسهَا، بلغةِ ليو تولستوي، روايةً من طراز «الحرب والسَّلام»: مسرحًا كبيرًا للتَّاريخ والدبلوماسيَّة والوزن الأخلاقيِّ. لكنَّها في واقعها المعاصر تبدُو أحيانًا أقرب إلى «آنا كارنينا»: أنيقةً، مأساويَّةً، وتخطُو بثباتٍ نحو المحطَّة، حيث لم يعد البريق الخارجي كافيًا لحجب أزمتها الداخليَّة.
ثمَّ انعطفَ الحديثُ، كما يحدثُ كثيرًا في زمن الرُّموز، إلى سؤالٍ آخرَ: هل يُعدُّ انتقاصًا من حقوق المرأة ألَّا تُنتخَب امرأةٌ أمينًا عامًّا للأمم المتَّحدة في الدورة المقبلة؟
قلتُ: نعم، سيكونُ ذلك إخفاقًا، بعد ما يقارب ثمانية عقود من اقتصار هذا المنصب على الرِّجال. لكنَّ حقوق المرأة أعمقُ من أنْ تُختزَل في اسمٍ على باب مؤسَّسة، وأسمَى من أنْ تُقَاس بكرسيٍّ في نيويورك.
فالرمز مهمٌّ، وقد يكون انتخابُ امرأةٍ في هذا الموقع لحظةً مستحقَّةً. لكنَّ الخللَ يبدأ حين نُقنعُ أنفسنَا بأنَّ قضيَّة المرأة يمكنُ أنْ تُسدَّد بتعيينٍ واحدٍ، أو أنَّ العدالة يمكنُ أنْ تؤدِّيها مؤسَّسة دوليَّة تترنَّح تحت ثقل عجزِها. وإنصاف المرأة لا يُختَبر في صالونات الشرعيَّة الدوليَّة، بل في واقعها اليوميِّ.
ومن هنا، لا ينبغي أنْ يُفهم الثَّامن من مارس بوصفه «يوم المرأة» فقط، كأنَّ العدالة تُرتَّب في التَّقويم. بل هو تذكيرٌ بأنَّ كلَّ يوم هو يومُ المرأةِ، وبأنَّ كلَّ مؤسسة تستحقُّ هذا الاسم، وكل نظام قانونيٍّ يطلب الشرعيَّة، ينبغي في بنيته المعياريَّة أنْ يكون منصفًا للمرأة، قائمًا على مركزها القانونيِّ الكامل، وضامنًا لحقوقها في الصَّغيرة قبل الكبيرةِ.
فالمسألةُ أعمقُ من القمَّة. لا تُنصف المرأة فقط حين تصل إلى أعلى الهرم، بل حين يكون القانونُ حاضرًا وقادرًا على حمايتها في العمل، والأجر، والأمان، والتَّمثيل، والوصول إلى القرار. وحين تثق بأنَّ العدالة ليست زينةً خطابيَّة، بل وظيفة يوميَّة من وظائف الدولة، والمجتمع، والسوق، والأخلاق.
وانتهى الحديثُ إلى ما هو أعمق من السِّياسة نفسها: كيف سوَّغت بعضُ الأُمم هذا الظُّلمَ الرَّاهن، حتَّى بدا لها محتملًا أو مقبولًا؟ ففي بعض القراءات الإنجيليَّة والتوراتيَّة المعاصرة نزوعٌ خلاصيٌّ يجعل التَّاريخ، في هذا المنطق، مكتوبًا سلفًا نحو نهايةٍ حتميَّةٍ. وهذا ما يتجاوزه فقه السِّياسة الشرعيَّة في جوهره؛ فالهديُّ النبويُّ لا يعلِّم الاستسلام للنِّهاية، بل مقاومة العدم بالفعلِ الأخلاقيِّ: «مَنْ كَانَ بِيَدِهِ فَسِيلَةٌ فَلْيَغْرِسْهَا». فحتَّى على حافَّة القيامة، لا يكون الجوابُ إلَّا غرسًا للحياة. ومن هذا الأصل نفسه جاءت وصيَّة الوداع: «اسْتَوصُوا بِالنِّسَاءِ خَيْرًا».
فإنْ جاءت امرأةٌ إلى كرسيٍّ ذِي إطلالةٍ من الطَّابقِ الثَّامن والثَّلاثين في نيويورك، فذلك حسنٌ. وإنْ لم تأتِ، فلا ينبغِي أنْ تقفَ المسألةُ عند هذا الحدِّ؛ لأنَّ السؤالَ الأهمَّ ليس مَن يجلس على المقعد؟ بل: هل بقيت للعدالة نفسها أرجلٌ تقف عليها، أصلًا، في كلِّ مكان؟
أسألُ اللهَ لكُم ولنَا المفازةَ فِي الخَواتِيم.
الضبطُ يبدأ في الطريفِ... وفي العالمِ يُختَبَر.


