ربَّما تكونُ عبارة «المحتوى هو الملك»، واحدة من أقدم العبارات، وأكثرها تردُّدًا على مسامع العاملين في الإعلام، وهي تشيرُ إلى أنَّ جودة المادة الصحفيَّة هي العامل الحاسم والأهم في نجاح أيِّ وسيلة إعلاميَّة. ولا شكَّ أنَّ هذه العبارة تحمل قدرًا كبيرًا من الحقيقة، لكنَّ التحوَّلات التي شهدها الإعلامُ خلال العقود الثلاثة الماضية، تكشف أنَّ الصورة أكثر تعقيدًا، فالمحتوى مهما كان قويًّا يظل محكومًا بالوسيط الذي ينقله، وبالإمكانات التي يتيحها ذلك الوسيط.
في دراسات الاتِّصال الحديثة، يُستخدم مفهوم مهم يفسِّر هذه العلاقة، هو مفهوم «الإمكانات» (Affordances) الذي صاغه عالِمُ النَّفس James Gibson؛ والمقصود بهذا المفهوم هو الاستخدامات، أو الفرص التي تتيحها الأداةُ لمستخدميها، فالكرسيُّ -مثلًا- يتيحُ الجلوسَ، والسلَّم يتيحُ الصعودَ، والبابُ يتيحُ العبورَ.. وهذه ليست مجرَّد خصائص ماديَّة، بل إمكانات للفعل تنشأ من العلاقة بين الشيءِ ومستخدمه.
وعندما انتقل هذا المفهوم إلى دراسات الإعلام، أصبح يشيرُ إلى الإمكانات التي تتيحها الوسيلةُ الإعلاميَّةُ لإنتاج المحتوى، ونشره، والتَّفاعل معه، فكل وسيطٍ إعلاميٍّ يفتح أبوابًا معيَّنةً للتَّواصل والاستخدامات، ويغلقُ أبوابًا أُخْرى في الوقت نفسه.. الصَّحافةُ المطبوعةُ -على سبيل المثال- وفَّرت تاريخيًّا إمكاناتٍ مهمَّةً مثل التَّحرير المُنضبط، والتَّحليل المُتعمِّق، والمصداقيَّة المؤسَّسيَّة، إضافةً إلى ما يصفه البعضُ بـ»حميميَّة التصفُّح والقراءة». لكنَّها في المقابل، كانت محدودةً في جوانب أُخْرى، مثل سرعة النَّشر، والتَّحديث المستمرِّ، والتَّفاعل المباشر مع الجمهور، ولم يكن ذلك يمثِّل مشكلةً في زمن كانت فيه دورةُ الأخبار أبطأ بكثيرٍ ممَّا هي عليه اليوم.
لكن مع ظهور الإنترنت، تغيَّرت المعادلةُ بشكل جذريٍّ، فقد أتاح هذا الوسيطُ إمكاناتٍ جديدةً كليًّا مثل: النَّشر الفوري، والتَّحديث اللَّحظي، والوصول العالمي منخفض التَّكلفة.. ثمَّ جاءت منصَّاتُ التَّواصل الاجتماعي مثل فيسبوك، وتويتر (X)؛ لتضيف إمكاناتٍ أُخْرى أكثر تأثيرًا، مثل التَّفاعل المُباشر، وإعادة نشر المحتوَى على نطاقٍ واسعٍ، وتحويل الجمهور نفسه إلى منتجٍ للأخبارِ، فيما بات يُعرَف بـ»صحافة المواطن».
وفي ضوء كلِّ ذلك، أصبحت عبارة «المحتوى هو الملك»، بحاجة إلى شيء من المراجعة، فالمحتوى الجيد يظل -بلا شك- أساس العمل الصحفي، لكن قدرته على الوصول والتأثير باتت مرتبطة -إلى حد كبير- بالإمكانات التي توفرها الوسيلة التي تحمله. فالتحقيقُ الصحفيُّ العميقُ، مهما بلغت جودتُه، قد لا يصل إلى الجمهور، إذا نُشر في وسيط لا يتيحُ الانتشار، أو التَّفاعل، أو الوصول السريع.
المشكلةُ أنَّ كثيرًا من المؤسَّسات الصحفيَّة حول العالم، لم تستوعب هذا التحوَّل مبكِّرًا، فقد تعاملت بعضُ الصُّحف مع الإنترنت في بداياتها بوصفها مجرَّد وسيلة تتيحُ عملَ نسخة رقميَّة طبق الأصل من الصحيفة الورقيَّة، لا وسيطًا يحمل إمكاناتٍ مختلفةً تمامًا.. ونتيجة لذلك تأخَّر استثمار هذه الإمكانات، في وقتٍ كانت فيه منصَّات رقميَّة ناشئة تُعيد تشكيل عادات استهلاك الأخبار بسرعة غير مسبوقة.
واليوم، وفي الوقت الذي لا زالت فيه المؤسَّسات الصحفيَّة تحاول جاهدةً الخروج من حالة الارتباك التي أحدثتها الإنترنت، وشبكات التَّواصل، جاء الذكاءُ الاصطناعيُّ مضيفًا تحدِّياتٍ وإمكاناتٍ غير مسبوقةٍ مثل إنتاج المحتوَى آليًّا، وتحليل البيانات الضَّخمة، وتخصيص الأخبار لكلِّ مستخدم، وهي تطوُّرات سوف تُعيد رسم خريطة الإعلام مرَّة أُخْرى خلال سنواتٍ قليلةٍ مقبلة..
السؤال المطروح اليوم، ليس ما إذا كان ينبغي على الصَّحافة التكيُّف مع هذه التحوُّلات، بل كيف ستفعلُ ذلك؟ فالمقاومة، أو الإنكار لم تعدْ خياراتٍ واقعيَّةً، لكنَّ الخشية الحقيقيَّة تكمنُ في الوقوع في خطأ آخرَ، وهو الاستخدامُ الشكليُّ للتكنولوجيا، والتَّعامل معها بوصفها مجرَّد مظهر حداثيٍّ أو «بريستيجٍ»، لا أداة إستراتيجيَّة تُعيد صياغة نموذج العمل الصَّحفيِّ.
فالدرسُ الذي علَّمتنا إيَّاه تحوُّلاتُ الإعلام، خلال العقود الماضية واضحٌ، وهو أنَّ المحتوَى يظلُّ جوهر العمل الصحفيِّ، لكنَّ الإمكانات التي يتيحها الوسيطُ هي التي تحدِّد مدى حضوره وتأثيره في المجال العام، ومَن لا يدرك هذه الحقيقة مبكِّرًا، سوف يكتشفُ متأخِّرًا أنَّ خريطة الإعلام قد أُعيد رسمها، بينما هو لا يزال يعمل بالأدوات القديمة المندثرةِ.


