Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
فاطمة آل عمرو

حين تتحول الموهبة إلى استغلال

A A
أنْ يمتلكَ الإنسانُ موهبةً، أو هوايةً يتفرَّد بها عن غيره، هو أمرٌ جميلٌ، بل قد يكونُ نعمةً حقيقيَّةً إذا عرف كيف يستثمرُها. فالكثيرُ من النَّاس يملكُون مواهبَ مختلفة؛ منهم مَن يجيد الكتابة، أو الرَّسم، أو التَّصوير، أو حتَّى مهارات التَّواصل، والعمل مع الآخرِينَ. لكنَّ الفرق الحقيقيَّ لا يكمنُ في امتلاك الموهبة فقط، بل في القدرةِ على تطويرِها وتحويلِها إلى قيمةٍ حقيقيَّةٍ في الحياة.

الهوايةُ في بدايتها تكون شغفًا شخصيًّا، شيئًا يفعله الإنسانُ بدافع المُتعة والفُضول. ومع مرور الوقت، يبدأ البعضُ بتطوير هذه الهِواية عبر التعلَّم المستمرِّ، أو حضور الدَّورات التدريبيَّة، واكتساب الخبرة العمليَّة. هنا تتحوَّل الهواية من مجرَّد نشاطٍ عابرٍ إلى مهارةٍ حقيقيَّةٍ يمكن أنْ تفتح أبوابًا جديدةً في الحياة المهنيَّة أو الشخصيَّة.

لكنَّ المشكلة التي يقعُ فيها كثيرُون، هي أنَّهم يتوقَّفُون عند مرحلة التَّطوير دون أنْ يفكِّرُوا في الاستثمار. يتعلَّمُونَ، ويجتهدُونَ، ويكتسبُونَ الخبرة، ثمَّ يتركُونَ كلَّ ذلك دون أنْ يوظِّفُوه في مشروعٍ أو عملٍ، أو حتى في بناء اسمهم في المجال الذي يحبُّونَه. وهنا يجبُ أنْ يتوقَّف الإنسانُ قليلًا ويسأل نفسه: ما الهدفُ من كلِّ هذا الجهد؟

وجود هدفٍ واضحٍ خلفَ أيِّ موهبةٍ أمرٌ ضروريٌّ. الهدفُ لا يعني بالضرورةِ الرِّبح المادي فقط، لكنَّه يعني أنْ تكونَ الموهبةُ ذات قيمةٍ، وأنْ توضع في المسار الصَّحيح. فالموهبةُ التي لا تُستثمَر قد تتحوَّل مع الوقتِ إلى مجرَّد ذِكرى جميلةٍ، أو مهارةٍ مُهمَلةٍ، بينما كان يمكنُ أنْ تكونَ مصدرَ نجاحٍ وتأثيرٍ.

ومن المهمِّ أيضًا أنْ يحافظ الإنسانُ على تقدير نفسه وتعبه. فحين يقدِّم جهده وعمله باستمرار دون مقابلٍ أو تقديرٍ، ويجعل الآخرِينَ يستفيدُونَ من موهبتهِ دونَ أيِّ حدودٍ واضحةٍ، فإنَّه يفتح باب الاستغلال دون أنْ يشعر. هنا لا يتعلَّق الأمرُ بالكرم أو التَّعاون، بل بضرورة وضع حدودٍ تحمي قيمة العمل الذي يقدِّمه الإنسانُ.

التنازلُ المستمرُّ عن قيمة الموهبة، قد يجعل الآخرِينَ ينظرُونَ إليها كشيءٍ متاحٍ دائمًا دونَ تقديرٍ. لذلك يجب أنْ يعرف صاحبُ الموهبةِ أنَّ جهده له قيمة، وأنَّ احترامه لعمله هو الخطوةُ الأُولَى؛ ليحترمهُ الآخرُونَ.

فالموهبةُ ليست مجرَّد هواية، نقضي بها وقت الفراغ، بل قد تكون طريقًا نحو تحقيقِ الذَّات إذا أحسنَ الإنسانُ إدارتها واستثمارها بالشَّكل الصَّحيح.

* من النافذة:

حين تعرفُ قيمةَ نفسِكَ وتقدِّرُ موهبتَكَ، سيتعلَّم الآخرُونَ كيفَ يحترمُونَكَ.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store