Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
أ.د. محمد رشاد بن حسن مفتي

حيل المتذاكي

A A
يقولُ الفيلسوفُ اليونانيُّ (سقراط): «كلُّ ما أعرفُه هو أنَّني لا أعرفُ شيئًا»، ولكن من حُسن حظِّ سقراط أنَّه لم يلتقِ بعباقرةِ «التَّذاكي»، أولئك الذين يظنُّون أنَّهم امتلكُوا مفاتيح عقول البشر، وأنَّ من أمامهم مجرَّد «صفحة بيضاء»، أو -بصراحة أكثر- «ساذج مع مرتبة الشَّرف». هؤلاء المتذاكُون يمارسُون نوعًا من الغُرور العقليِّ البائس، إذ يعتقدُونَ أنَّ العالم بأسرِهِ يُخدع بتمثيليَّاتهم الهزيلة، بينما الحقيقة أنَّهم يخدعُونَ أنفسَهُم أوَّلًا قبلَ أيِّ شخصٍ آخرَ. فالتَّذاكي ليس ذكاءً، بل هو في الحقيقة «سُوء ظنٍّ بالآخرِينَ»، وقراءة مغلوطة للواقع. هو أنْ يقف أحدهم أمامك، ينسجُ من الأوهام قصصًا، ويبرِّر أفعاله بمبرِّرات لا تقبلها عقولُ الأطفال، وهو يبتسم لك كابتسامة الموناليزا؛ ظنًّا منه أنَّه استطاع «بلفك» أو تمرير بضاعته الفاسدة عليك. المُتذاكي في هذه اللَّحظة يشعرُ بنشوةٍ عابرةٍ من السَّيطرة الوهميَّة؛ جهلًا منه بأنَّك تقرأُ ما خلف هذه الابتسامة، كما يقرأ الخبيرُ ما بين السُّطور، وتدرك جيِّدًا غاياتِهِ التي يحاول يائسًا مداراتها خلفَ ستارٍ من الكلمات الزَّائفة.

المُتذاكي شخصٌ مسكينٌ حقًّا؛ فهو يعيشُ في أوهامٍ من تأليفهِ، ومن إخراجهِ، ومن بطولتهِ المطلقةِ. يعتقدُ أنَّك لا ترَى الخيوطَ التي يحرِّك بها العرائس، ولا تلاحظ «الثُّقوب» الواسعة في ثوب كذبهِ الذي يحاول عبثًا رتقهُ بعبارات منمَّقة. إنَّ صمتك أمام هذه المسرحيَّة لا يعني أنَّك صدَّقته، بل لأنَّك مؤدَّبٌ أكثر من اللازم، فترفض أنْ تخدشَ كبرياءَهُ بكشف كذبِهِ، أو لأنَّك حكيمٌ جدًّا فتعرفُ أنَّ الجدال مع نرجسيٍّ يظنُّ نفسَه عبقريًّا هو مضيعة للوقت والطَّاقة، أو ربما لأنَّك صيَّادٌ ماهرٌ تمدُّ له الحبل، ليس ليخرج من البئر، بل ليُحاصر بمنطقه الأعوج، وتراقب إلى أيِّ مدى يمكنُ أنْ يوصله كبرياؤه الفارغُ. المُتذاكي يرَى طيبتَك ضعفًا، وسكوتَك جهلًا، وتسامحَك غباءً، هو لا يدركُ أنَّك تقرأ أفكارَه قبل أنْ ينطقَ بها، وتعرف مراميه الحقيقيَّة التي يغلِّفها بورق «السلوفان» اللَّامع، إنَّك تراهُ بوضوحٍ كما يرى الجرَّاح ما تحت الجلد، لكنَّك تكتفِي بهزِّ رأسك قائلًا في سرِّك: «ممثِّل فاشل!».

أحيانًا، ولأنَّ الحياة صراع من الأقنعة، نضطر لممارسة نوعٍ من «التَّذاكي المضاد» كدفاعٍ مشروعٍ عن النَّفس. نتظاهرُ بأنَّنا ابتلعنَا الطُعم، نبتسمُ ببلاهةٍ مصطنعةٍ، ونسألُ أسئلةً توحي بأنَّنا صدَّقنا الحكاية، فقط لنرَى إلى أيِّ مدى سيذهب في لعبته. هذا هو قمَّة الذَّكاء، أنْ تجعل المُتذاكي يطمئن تمامًا حتَّى يقعَ في شرِّ أعماله. إنَّها لعبةُ الصيَّادِ والفريسة، لكنَّ الفريسة هنا هي التي تملكُ الخريطة، والصيَّاد هو التَّائه في غابة أوهامه، والمفارقة هنا أنَّ الصيَّاد يعتقدُ أنَّه يقودُك إلى النَّهر، بينما أنت مَن يقوده إلى حافَّةِ الهاويةِ. وعلى هذا المُتذاكي أنْ يتأمَّل مليًّا في قول الكاتب تشارلز بوكوفسكي: «إذَا استطعتَ أنٍ تخدعَ إنسانًا، فهذَا لا يعنِي أنَّه أحمق، ولكنْ يعنِي أنَّه وثقَ بكَ أكثرَ ممَّا تستحقُّ».

المتذاكُون يظنُّون مراوغاتهم المكشوفة لا تُرَى، لكن عليهم أنْ يتذكَّروا دائمًا أنَّ حبلَ الكذبِ قصيرٌ، وأنَّ حبلَ التَّذاكي أقصرُ منه بكثيرٍ. نحنُ لا نصمتُ لأنَّنا سُذَّج، بل نصمتُ لأنَّنا نشعرُ بالمَلَل من تكرار تلك الحِيل المهترئةِ والمحفوظة التي لم يعد يصدِّقها سواه. إنَّ الفرق بين الذكاء والتذاكي، كالفرق بين الذهب الخالص، والذهب الكاذب، الذي يلقبه علماء الجيولوجيا بـ»ذهب المغفلين»؛ فكلاهما يلمعُ، لكن الأول معدن نفيس لا يصدأ، والثاني مجرد زيف يفضحه أول اختبار لكنهه.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store