في كل عام نردِّد الجملة نفسها: «رمضانُ مرَّ بسرعةٍ». وكأنَّ الشهرَ ضيفٌ خفيفُ الظلِّ، يزورنا سريعًا، ثمَّ يرحل قبل أنْ نُحسن ضيافتَه، لكن هل الزَّمن هو الذي يتغيَّر؟ أم نحن؟ القرآن يلفت نظرنا إلى نسبيَّة إدراك الوقت، فيصف سبحانه -عزَّ وجلَّ- بأنَّها أيَّامٌ معدوداتٌ فيقول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ﴾، إشارة إلى شهرِ رمضانَ، ووصفها اللهُ بالمعدودات (أي القليلة)؛ للتَّخفيف على النفوس، والإشارة لسرعة انقضائها.
فالزَّمنُ ليس رقمًا جامدًا، بل تجربة شعوريَّة تتشكَّل بالمعنى، الوقت في حقيقته ثابتٌ لكنَّ إدراكنا له هو الذي يتبدَّل حين تمتلئ الأيام بالانشغال السطحيِّ، يتسارع الإحساس بها، وحين تمتلئ بالمعنى، تتمدَّد في الذاكرة، لذلك يبدو رمضانُ قصيرًا؛ ولأنَّنا نريده أنْ يطول، ولأنَّنا نشعر بقيمته.
رمضان ليس مجرَّد ثلاثين يومًا في التَّقويم، بل تجربة مكثفة للمعنى، فيه تتغيَّر المواعيد، وتتبدَّل العادات، ويصبح للِّيل طعمٌ مختلفٌ، وحين يختلف الإيقاع، يختلف الشعور بالزَّمن، البركة ليست زيادةً في الساعات، بل زيادة في الأثر.
وقد أشار اللهُ -عزَّ وجلَّ- إلى قيمة اللَّيالي المباركة في رمضانَ بقوله: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾؛ ليؤكِّد أنَّ لحظة واحدة ممتلئة بالصِّدق قد تساوي عمرًا طويلًا خاليًا من المعنى.
نحنُ لا نشعر بسرعة رمضانَ لأنَّه قصيرٌ، بل لأنَّنا لم نملأه كما ينبغي، بعض الأيام تمرُّ بلا أثر يُذكر، فنكتشف عند الوداع أنَّنا كنَّا نظنُّ أنَّ أمامنا متسعًا أكبرَ.
رمضان مدرسة للوقت، يعلمنا أنَّ الدقيقة يمكن أنْ تكون دعاءً، وأنَّ الساعة يمكن أنْ تكون صفاءً، وأنَّ ليلة واحدة قد تساوي عمرًا بأكمله. إنَّه يُعيد تعريف العلاقة بين الإنسان والزَّمن، لا بعدد السَّاعات، بل بعمق اللَّحظة.
لعلَّ السؤال الأصدق ليس: لماذا يمضي رمضانُ سريعًا؟ بل: ماذا تركَ فينا قبلَ أنْ يمضي؟ فالزَّمنُ لا يُقَاس بما يمرُّ، بل بما يبقَى.


