Logo
صحيفة يومية تصدر عن مؤسسة المدينة للصحافة والنشر
د.منى يوسف حمدان

الحرمان الشريفان.. ملحمة تصنع الطمأنينة لضيوف الرحمن

A A
في ذكرى غزوةِ بدرٍ، وفي يوم الجمعةِ السَّابع عشر من شهرِ رمضانَ المبارك، وفي رحابِ المسجدِ النبويِّ الشَّريف، كان للزَّمان وقفةٌ مع روحانيَّة تغمرُ الأرواح المُتلهِّفة لرحماتٍ تتنزَّلُ، وذنوبٍ تُغفَر، ودرجاتٍ تُرفَع، في كلِّ موسم من مواسم الطَّاعة، تتجدَّد صورة العناية الفائقة التي تُوليها المملكةُ العربيَّةُ السعوديَّةُ للحرمَين الشَّريفين وقاصديهما، فتتحوَّل أروقة المسجد الحرام، وساحات المسجد النبويِّ إلى مَشهدٍ مَهيبٍ، تتجلَّى فيه قِيم التَّنظيم والإدارة الاحترافيَّة للحشود.

تأمَّلتُ المشهدَ حولي، كان يدعُو للفخرِ كله بهذا الرُّقيِّ في التَّعامل من قِبل رجال ونساء الوطن، الذين استشعرُوا عِظمَ الأمانة التي كُلِّفُوا بها، نعم كان هناك حركة انسيابيَّة، وتنظيم فائق الجودة، خرجتُ بعد صلاة المغرب خارج المُصلَّيات النسائيَّة إلى السَّاحات الخارجيَّة، وعدتُ في زمنٍ قياسيٍّ، وبكلِّ يُسرٍ وسهولةٍ.

إنَّ ما تقدِّمه المملكةُ من خدماتٍ متكاملة لضيوف الرَّحمن، ليس مجرَّد جهود تشغيليَّة، بل هو مشروعٌ حضاريٌ متكاملٌ، يُجسِّد رسالة هذه البلاد المُباركة في خدمة الإسلام والمسلمِينَ. حيث تعمل منظومةٌ متكاملةٌ من الجهات المختصَّة برُوح الفريق الواحد، وفي مقدِّمتها رئاسة الشؤون الدينيَّة بالحرمَين الشَّريفَين، والهيئة العامَّة للعناية بشؤون المسجد الحرام والمسجد النبويِّ، واللتان تطَّلعان بمسؤوليَّة عظيمةٍ تتمثَّل في الارتقاء بتجربة القاصدين علميًّا وروحيًّا وتنظيميًّا.

وفي ظلِّ هذا التَّكامل المؤسسيِّ، تتجلَّى احترافيَّة إدارة الحشود في أبهى صورها؛ حيث تتناغمُ الجهود التنظيميَّة والخدميَّة والتَّقنية لتيسير حركة المُصلِّينَ والمعتمرِينَ، بما يحقِّق أعلى معايير السَّلامة والرَّاحة.

وفي الجانب الإيمانيِّ والدَّعوي، يبرز الدور العظيم لأئمة الحرمَين الشَّريفَين الذين تتردَّد أصواتُهم في جنبات المسجدَين بدعواتٍ خاشعةٍ وقراءاتٍ نديَّةٍ للقرآن الكريم، تلامس القلوب، وترتقِي بالأرواح المُقبلة على الطَّاعات في هذا الشهر المبارك. وفي خضم هذه التحوُّلات والتوتُّرات التي تشهدها المنطقة، يبقى الحرمَان الشَّريفَان واحةَ أمنٍ وسلامٍ، يشعر فيها المسلمُونَ من مختلف الجنسيَّات بمعنى الطمأنينة الحقيقيَّة.

ومن الصُّور المُضيئة في هذا المشهدِ الحضاريِّ الإيمانيِّ المُتكامل، الحضور الفاعل للمرأة السعوديَّة التي أصبحت شريكًا أساسًا في منظومة خدمة ضيوف الرَّحمن. ففي أروقة مصلَّيات النِّساء، وفي ساحت المسجد النبويِّ تعملُ فرق من المتطوِّعات بإشرافِ الجهات المختصَّة على إرشاد الزَّائرات، وتنظيم حركتهنَّ، وتقديم العون لهنَّ، وتوزيع وجبات إفطار الصَّائمات، فخر واعتزاز بطالباتِنَا من التَّعليم العام تحديدًا، وفرق الكشافة من الفتيات بقيادة الأستاذة القديرة وردة الحازمي، ممثلةً للإدارة العامَّة للتَّعليم بمنطقة المدينة المنوَّرة.

كما تؤدِّي الأقسامُ النسائيَّة في رئاسة الشؤون الدينيَّة بالمسجد الحرام والمسجد النبويِّ، دورًا علميًّا وتوعويًّا مُهمًّا، من خلال تنظيم الدروس الشرعيَّة، وحلقات تحفيظ القرآن الكريم، وتوزيع الكُتيِّبات والمطبوعات الإرشاديَّة، إلى جانب الإسهام في تنظيم الصُّفوف، وإرشاد الزَّائرات بما يحقِّق السَّكينة والنِّظام داخل المسجد النبويِّ.

وما يقومُ به رجالُ الأمن في ضبط لحركة قاصدِي المسجد النبويِّ يُعدُّ نموذجًا عالميًّا في إدارة المشهد الأمنيِّ بامتياز، كل هذا يعكسُ رسالة المملكة العميقة في خدمةِ الحرمَين الشَّريفَين، وتؤكِّد أنَّ العناية بقاصديهما ليست مجرَّد واجبٍ إداريٍّ، بل رسالةٌ إيمانيَّةٌ وإنسانيَّةٌ متجذِّرةٌ في وجدان هذا الوطن وقيادته وشعبه.

وهكذا يبقى الحرمان الشريفان منارة هداية للعالم، ومقصدًا للمؤمنين الباحثين عن السكينة والطمأنينة، حيث تلتقي قدسية المكان بعظمة الرسالة، وتتكامل الجهود الرسميَّة والمجتمعيَّة لتقديم نموذجٍ فريدٍ في خدمة بيوت الله وقاصديها.

contact us
Nabd
App Store Play Store Huawei Store